التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٩٤
و السّلام في الزمان، تصان فيها الدماء و الحرمات و الأموال. فمن أبى أن يستظلّ غيره بهذه الواحة أو أن ينعم بفيء تلك الساحة، و حاول حرمان المسلمين منها، فجزاؤه أن يحرم هو منها بطريق أولى. و الّذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته، فالحرمات قصاص جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها[١].
[٢/ ٥٢٩٤] أخرج أبو داود في ناسخه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في سننه عن ابن عبّاس في قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ و قوله: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها[٢] و قوله: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ[٣] و قوله: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ[٤] قال: هذا و نحوه نزل بمكّة، و المسلمون يومئذ قليل، فليس لهم سلطان يقهر المشركين، و كان المشركون يتعاطونهم بالشتم و الأذى، فأمر اللّه المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل، فلمّا هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى المدينة و أعزّ اللّه سلطانه أمر اللّه المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، و لا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهليّة، فقال: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً[٥]. يقول: ينصره السلطان حتّى ينصفه من ظالمه، و من انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحميّة الجاهليّة و لم يرض بحكم اللّه تعالى[٦].
[٢/ ٥٢٩٥] و أخرج أحمد و ابن جرير و النحّاس في ناسخه عن جابر بن عبد اللّه قال: لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يغزو في الشهر الحرام إلّا أن يغزى. و كان يغزو حتّى إذا حضر ذلك (أي الشهر الحرام) أقام حتّى ينسلخ[٧].
[٢/ ٥٢٩٦] و قال مقاتل بن سليمان في قوله: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ و ذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين ساروا إلى مكّة محرمين بعمرة، و من كان معه عام الحديبيّة، لستّ سنين من هجرته إلى المدينة، فصدّهم مشركو مكّة، و أهدى أربعين بدنة- و يقال مائة بدنة- فردّوه و حبسوه شهرين لا يصل إلى البيت، و كانت بيعة الرضوان عامئذ. فصالحهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أن ينحر الهدي مكانه في
[١] يونس ١٠: ٢٧.
[٢] الشورى ٤٢: ٤٠.
[٣] الشورى ٤٢: ٤١.
[٤] النحل ١٦: ١٢٦.
[٥] الإسراء ١٧: ٣٣.
[٦] الدرّ ١: ٤٩٨؛ الطبري ٢: ٢٧٢/ ٢٥٧٣؛ ابن أبي حاتم ١: ٣٢٩/ ١٧٤٠؛ البيهقي ٨: ٦١.
[٧] الدرّ ١: ٤٩٩؛ مسند أحمد ٣: ٣٤٥؛ الطبري ٢: ٤٧١/ ٣٢٥٠، ذيل الآية ٢١٧؛ ابن كثير ١: ٢٣٥.