التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠١ - سورة البقرة(٢) آية ١٩٣
حرمتها و الأخذ بقداستها. نعم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ. حيث لا ينبغي المداهنة مع المعتدي الهاتك لحرمات اللّه. ليستغلّوها فرصة لضرب المؤمنين، فيما حسبوا منهم عدم المقابلة حينذاك.
و من ثمّ فقد حلّ التقاصّ و المقابلة بالمثل: فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ لحينهم من غير إمهال.
كَذلِكَ أي مقابلة اللّدّة بالشّدّة جَزاءُ الْكافِرِينَ جزاء متناسبا مع صنيعهم اللئيم.
أمّا فَإِنِ انْتَهَوْا و ارعووا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
و الانتهاء الّذي يستأهل غفران اللّه و رحمته، هو الانتهاء عن لدد الكفر و الشقاق، لا مجرّد الانتهاء عن قتال المسلمين أو فتنتهم عن الدين على حين فترة. فالانتهاء عن ذلك قصاراه أن يهادنهم المسلمون في فترة محدودة، و لكنّه لا يؤهّل لمغفرة اللّه و رضوانه. فالتلويح بالمغفرة و الرحمة هنا يقصد به إطماع الكفّار في الدين، و إعادة النظر في صنيعهم هذا اللدود. و ليرعووا عن الجهل إلى الرشاد، علّهم ينالوا المغفرة و الرضوان، بعد ذاك التمادي في الكفر و العدوان.
*** ثمّ أخذ- سبحانه- في بيان السرّ لهذه المقابلة و المناجزة ضدّ الكفر و الشقاق. و أنّ الجماعة المسلمة مكلّفة أن تظلّ تجاهد و تكافح حتّى تقضي على هذه القوى المعتدية و الظالمة، قضاء على جذورها في الأعماق.
وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ. و كرّر إلقاء الضوء على جانب رحمة الإسلام و عطفه الشفيق على بني الإنسان، مهما أخذوا في العتوّ و النفور.
قوله تعالى: وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [٢/ ٥٢٩١] أخرج أحمد و الثعلبي عن سليم بن عامر، قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول:
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر و لا وبر إلّا أدخله اللّه كلمة الإسلام، بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل؛ إمّا يعزّهم اللّه- عزّ و جلّ- فيجعلهم من أهلها فيعزوا به، و إمّا يذلّهم فيدينون لها»[١].
[١] مسند أحمد ٦: ٤؛ الثعلبي ٢: ٨٩/ ٦٩؛ كنز العمّال ١: ٩٨/ ٤٣٧؛ أبو الفتوح ٣: ٧٤- ٧٥؛ مجمع الزوائد ٦: ١٤، قال الهيثمي: و رجال الطبراني رجال الصحيح.