التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٠ - اشتقاق كلمة«قدوس»
الملائكة قال: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يكون حجّة لي في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة:
سبحانك أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها كما فسد بنو الجانّ، و يسفكون الدماء كما سفك بنو الجانّ، و يتحاسدون و يتباغضون، فاجعل ذلك الخليفة منّا فإنّا لا نتحاسد و لا نتباغض و لا نسفك الدماء، و نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك!.
قال- عزّ و جلّ-: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إنّي أريد أن أخلق خلقا بيدي و أجعل من ذرّيّته أنبياء و مرسلين و عبادا صالحين و أئمّة مهتدين، و أجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي ينهونهم عن معصيتي، و ينذرونهم من عذابي، و يهدونهم إلى طاعتي، و يسلكون بهم طريق سبيلي، و أجعلهم لي حجّة، و عليهم عذرا و نذرا، و أبين النسناس عن أرضي، و أطهّرها منهم و أنقل مردة الجنّ العصاة عن بريّتي و خلقي و خيرتي، و أسكنهم في الهواء و في أقطار الأرض و لا يجاورون نسل خلقي، و أجعل بين الجنّ و بين خلقي حجابا، فلا يرى نسل خلقي الجنّ و لا يجالسونهم و لا يخالطونهم، فمن عصاني من نسل خلقي الّذين اصطفيتهم أسكنتهم مساكن العصاة و أوردتهم مواردهم و لا أبالي.
قال: فقالت الملائكة: يا ربّنا افعل ما شئت لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قال:
فباعدهم اللّه من العرش مسيرة خمسمائة عام، قال: فلاذوا بالعرش و أشاروا بالأصابع، فنظر الربّ- عزّ و جلّ- إليهم و نزلت الرحمة، فوضع لهم البيت المعمور، فقال: طوفوا بهذا البيت و دعوا العرش، فإنّه لي رضا، فطافوا به، و هو البيت الّذي يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا، فوضع اللّه البيت المعمور توبة لأهل السماء، و وضع الكعبة توبة لأهل الأرض. فقال اللّه- تبارك و تعالى-: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ[١]، قال: و كان ذلك من اللّه تقدمة في آدم قبل أن يخلقه و احتجاجا منه عليهم، قال:
فاغترف ربّنا- عزّ و جلّ- غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات، و كلتا يديه يمين، فصلصلها في كفّه حتّى جمدت، فقال لها: منك أخلق النبيّين و المرسلين و عبادي الصالحين، و الأئمّة المهتدين و الدعاة إلى الجنّة و أتباعهم إلى يوم القيامة و أشياعهم و لا أبالي، و لا أسأل عمّا أفعل و هم يسألون.
ثمّ اغترف غرفة أخرى من الماء المالح الأجاج، فصلصلها في كفّه فجمدت، فقال لها: منك أخلق الجبّارين و الفراعنة و العتاة و إخوان الشياطين، و الدعاة إلى النار إلى يوم القيامة و أشياعهم
[١] الحجر ١٥: ٢٨- ٢٩.