التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٩ - اشتقاق كلمة«قدوس»
جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لي عليهم، فيكون حجّة لي عليهم في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة:
سبحانك أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالوا: فاجعله منّا فإنّا لا نفسد في الأرض و لا نسفك الدماء، قال اللّه- جلّ جلاله-: يا ملائكتي إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إنّي أريد أن أخلق خلقا بيدي، أجعل ذرّيّته أنبياء مرسلين و عبادا صالحين، و أئمّة مهتدين، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي ينهونهم عن المعاصي و ينذرونهم عذابي، و يهدونهم إلى طاعتي، و يسلكون بهم إلى طريق سبيلي، و أجعلهم حجّة لي عذرا أو نذرا، و أبين النسناس من أرضي فاطهّرها منهم، و أنقل مردة الجنّ العصاة عن بريّتي و خلقي و خيرتي و أسكنهم في الهواء و في أقطار الأرض أن لا يجاوروا نسل خلقي، و أجعل بين الجنّ و بين خلقي حجابا؛ و لا يرى نسل خلقي الجنّ و لا يؤانسونهم و لا يخالطونهم و لا يجالسونهم، فمن عصاني من نسل خلقي الّذين اصطفيتهم لنفسي أسكنتهم مساكن العصاة و أوردتهم مواردهم و لا أبالي، فقالت الملائكة: يا ربّنا افعل ما شئت لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»[١].
[٢/ ١٠٤٥] و روى عليّ بن إبراهيم بالإسناد إلى جابر بن يزيد عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى أراد أن يخلق خلقا بيده، و ذلك بعد ما مضى من الجنّ و النسناس[٢] في الأرض سبعة آلاف سنة، و كان من شأنه خلق آدم فكشط[٣] عن أطباق السماوات و قال للملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجنّ و النسناس، فلمّا رأوا ما يعملون فيها من المعاصي و سفك الدماء و الفساد في الأرض بغير الحقّ، عظم ذلك عليهم و غضبوا و تأسّفوا على أهل الأرض، و لم يملكوا غضبهم، قالوا: ربّنا إنّك أنت العزيز القادر الجبّار القاهر العظيم الشأن، و هذا خلقك الضعيف الذليل يتقلّبون في قبضتك و يعيشون برزقك و يستمتعون بعافيتك، و هم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام، لا تأسف عليهم و لا تغضب و لا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم و ترى، و قد عظم ذلك علينا و أكبرناه فيك، قال: فلمّا سمع ذلك من
[١] نور الثقلين ١: ٥١- ٥٢؛ علل الشرائع ١: ١٠٤- ١٠٥/ ١، باب ٩٦( علّة الطبائع و الشهوات و المحبّات)؛ القميّ ١: ٣٦- ٣٧، رواه مطوّلا؛ البحار ١١: ١٠٣- ١٠٤ و ٦٠: ٨٢- ٨٣.
[٢] يقال: إنّه خلق في صورة الناس. قال كراع: و النسناس- فيما يقال-: دابّة في عداد الوحش تصاد و تؤكل.( لسان العرب مادة نسس).
[٣] كشط الغطاء عن الشيء: نزعه و كشف عنه.