البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩١ - و هذه ترجمة المعتضد
الأمير فقال له: كم لك من الرزق؟ و كم عندك من المال؟ و كم عندك من الجوار و الزوجات؟ فذكر له شيئا كثيرا. فقال له: ويحك أما كفاك ما أنعم اللَّه به عليك حتى انتهكت حرمة اللَّه و تعديت حدوده و تجرأت على السلطان، و ما كفاك ذلك أيضا حتى عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف و نهاك عن المنكر فضربته و أهنته و أدميته؟ فلم يكن له جواب. فأمر به فجعل في رجله قيد و في عنقه غل ثم أمر به فأدخل في جوالق ثم أمر به فضرب بالدبابيس ضربا شديدا حتى خفت، ثم أمر به فألقى في دجلة فكان ذلك آخر العهد به. ثم أمر بدرا صاحب الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل و الأموال التي كان يتناولها من بيت المال، ثم قال لذلك الرجل الصالح الخياط: كلما رأيت منكرا صغيرا كان أو كبيرا و لو على هذا- و أشار إلى صاحب الشرطة- فأعلمني، فان اتفق اجتماعك بى و إلا فعلى ما بيني و بينك الأذان، فأذن في أي وقت كان أو في مثل وقتك هذا. قال: فلهذا لا آمر أحدا من هؤلاء الدولة بشيء إلا امتثلوه، و لا أنهاهم عن شيء إلا تركوه خوفا من المعتضد.
و ما احتجت أن أؤذن في مثل تلك الساعة إلى الآن.
و ذكر الوزير عبيد اللَّه بن سليمان بن وهب قال: كنت يوما عند المعتضد و خادم واقف على رأسه يذب عنه بمذبة في يده إذ حركها فجاءت في قلنسوة الخليفة فسقطت عن رأسه، فأعظمت أنا ذلك جدا و خفت من هول ما وقع، و لم يكترث الخليفة لذلك، بل أخذ قلنسوته فوضعها على رأسه ثم قال لبعض الخدم: مر هذا البائس ليذهب لراحته فإنه قد نعس، و زيدوا في عدة من يذب بالنوبة قال الوزير: فأخذنا في الثناء على الخليفة و الشكر له على حلمه، فقال: إن هذا البائس لم يتعمد ما وقع منه و إنما نعس، و ليس العتاب و المعاتبة إلا على المتعمد لا على المخطئ و الساهي. و قال جعيف السمرقندي الحاجب: لما جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عبيد اللَّه بن سليمان خر ساجدا طويلا، فقيل له:
يا أمير المؤمنين: لقد كان عبيد اللَّه يخدمك و ينصح لك. فقال: إنما سجدت شكرا للَّه أنى لم أعز له و لم أوذه. و قد كان ابن سليمان حازم الرأى قويا، و أراد أن يولى مكانه أحمد بن محمد بن الفرات فعدل به بدر صاحب الشرطة عنه و أشار عليه بالقاسم بن عبيد اللَّه فسفّه رأيه فألح عليه فولاه و بعث إليه يعزيه في أبيه و يهنيه بالوزارة، فما لبث القاسم بن عبيد اللَّه حتى ولى المكتفي الخلافة من بعد أبيه المعتضد و حتى قتل بدرا. و كان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق، و هذه فراسة عظيمة و توسم قوى. و رفع يوما إلى المعتضد قوما يجتمعون على المعصية فاستشار وزيره في أمرهم فقال:
ينبغي أن يصلب بعضهم و يحرق بعضهم. فقال: ويحك لقد بردت لهب غضبى عليهم بقسوتك، أما علمت أن الرعية وديعة اللَّه عند سلطانها، و أنه سائله عنها؟ و لم يقابلهم بما قال الوزير. و لهذه النية لما ولى الخلافة كان بيت المال صفرا من المال و كانت الأحوال فاسدة، و العرب تعيث في الأرض