البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - وفاة معز الدولة بن بويه الّذي أظهر الرفض و نصر عليه
الحديث و متنه جيدا محررا صحيحا، و قد نسب إلى التشيع كاستاذه ابن عقدة، و كان يسكن بباب البصرة عندهم، و قد سئل عنه الدار قطنى فقال: خلط. و قال أبو بكر البرقاني: صاحب غرائب، و مذهبه معروف في التشيع، و قد حكى عنه قلة دين و شرب خمر فاللَّه أعلم. و لما احتضر أوصى أن تحرق كتبه فحرقت، و قد أحرق معها كتب كثيرة كانت عنده للناس، فبئس ما عمل. و لما أخرجت جنازته كانت سكينة نائحة الرافضة تنوح عليه في جنازته.
ثم دخلت سنة ست و خمسين و ثلاثمائة
استهلت هذه السنة و الخليفة المطيع للَّه، و السلطان معز الدولة بن بويه الديلميّ. و فيها عملت الروافض في يوم عاشوراء عزاء الحسين على عادة ما ابتدعوه من النوح و غيره كما تقدم.
وفاة معز الدولة بن بويه الّذي أظهر الرفض و نصر عليه
و لما كان ثالث عشر ربيع الأول منها توفى أبو الحسن أحمد بن بويه الديلميّ الّذي أظهر الرفض و يقال له معز الدولة، بعلة الذرب، فصار لا يثبت في معدته شيء بالكلية، فلما أحس بالموت أظهر التوبة و أناب إلى اللَّه عز و جل، ورد كثيرا من المظالم، و تصدق بكثير من ماله، و أعتق طائفة كثيرة من مماليكه، و عهد بالأمر إلى ولده بختيار عز الدولة، و قد اجتمع ببعض العلماء فكلمه في السنة و أخبره أن عليا زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب، فقال: و اللَّه ما سمعت بهذا قط، و رجع إلى السنة و متابعتها، و لما حضر وقت الصلاة خرج عنه ذلك الرجل العالم فقال له معز الدولة: إلى أين تذهب؟
فقال: إلى الصلاة فقال له ألا تصلى هاهنا؟ قال: لا، قال: و لم؟ قال: لأن دارك مغصوبة. فاستحسن منه ذلك. و كان معز الدولة حليما كريما عاقلا، و كانت إحدى يديه مقطوعة، و هو أول من أجرى السعاة بين يديه ليبعث بأخباره إلى أخيه ركن الدولة سريعا إلى شيراز، و حظي عنده أهل هذه الصناعة و كان عنده في بغداد ساعيان ماهران، و هما فضل، و برغوش، يتعصب لهذا عوام أهل السنة، و لهذا عوام أهل الشيعة، و جرت لهما مناصف و مواقف. و لما مات معز الدولة دفن بباب التبن في مقابر قريش، و جلس ابنه للعزاء. و أصاب الناس مطر ثلاثة أيام تباعا، و بعث عز الدولة إلى رءوس الأمراء في هذه الأيام بمال جزيل لئلا تجتمع الدولة على مخالفته قبل استحكام مبايعته، و هذا من دهائه، و كان عمر معز الدولة ثلاثا و خمسين سنة، و مدة ولايته إحدى و عشرين سنة و إحدى عشر شهرا و يومين، و قد كان نادى في أيامه برد المواريث إلى ذوى الأرحام قبل بيت المال و قد سمع بعض الناس ليلة توفى معز الدولة هاتفا يقول:
لما بلغت أبا الحسين* * * مراد نفسك بالطلب
و أمنت من حدث الليالي* * * و احتجبت عن النوب