البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - ثم دخلت سنة سبع و خمسين و مائتين
فيا عالما أجمع العالمون* * * على فضل رتبته في الرتب
سبقت الأئمة فيما جمعت* * * و فزت على زعمهم بالقصب
نفيت الضعيف من الناقلين* * * و من كان متهما بالكذب
و أبرزت في حسن ترتيبه* * * و تبويبه عجبا للعجب
فأعطاك مولاك ما تشتهيه* * * و أجزل حظك فيما وهب
ثم دخلت سنة سبع و خمسين و مائتين
فيها ولى الخليفة المعتمد ليعقوب بن الليث بلخ و طخارستان و ما يلي ذلك من كرمان و سجستان و السند و غيرها. و في صفر منها عقد المعتمد لأخيه أبى أحمد على الكوفة و طريق مكة و الحرمين و اليمن و أضاف إليه في رمضان نيابة بغداد و السواد و واسط و كور دجلة و البصرة و الأهواز، و فارس، و أذن له أن يستنيب في ذلك كله. و فيها تواقع سعيد الحاجب و صاحب الزنج في أراضى البصرة فهزمه سعيد الحاجب و استنقذ من يده خلقا من النساء و الذرية، و استرجع منه أموالا جزيلة. و أهان الزنج غاية الإهانة. ثم إن الزنج بيتوا سعيدا و جيشه فقتلوا منهم خلقا كثيرا و يقال إن سعيد بن صالح قتل أيضا. ثم إن الزنج التقوا هم و منصور بن جعفر الخياط في جيش كثيف فهزمهم صاحب الزنج المدعى أنه طالبي، و هو كاذب. قال ابن جرير: و فيها ظفر ببغداد بموضع يقال له بركة زلزل برجل خناق قد قتل خلقا من النساء كان يؤلف المرأة ثم يخنقها و يأخذ ما عليها، فحمل إلى المعتمد فضرب بين يديه بألفي سوط و أربعمائة، فلم يمت حتى ضربه الجلادون على أنثييه بخشب العقابين فمات، ورد إلى بغداد و صلب هناك، ثم أحرقت جثته. و في ليلة الرابع عشر من شوال من هذه السنة كسف القمر و غاب أكثره. و في صبيحة هذا اليوم دخل جيش الخبيث الزنجي إلى البصرة قهرا فقتل من أهلها خلقا و هرب نائبها بغراج و من معه، و أحرقت الزنج جامع البصرة و دورا كثيرة، و انتهبوها ثم نادى فيهم إبراهيم بن المهلبي أحد أصحاب الزنجي الخارجي: من أراد الأمان فليحضر. فاجتمع عنده خلق كثير من أهل البصرة فرأى أنه قد أصاب فرصة فغدر بهم و أمر بقتلهم، فلم يفلت منهم إلا الشاذ:
كانت الزنج تحيط بجماعة من أهل البصرة ثم يقول بعضهم لبعض: كيلوا- و هي الإشارة بينهم إلى القتل- فيحملون عليهم بالسيوف فلا يسمع إلا قول أشهد أن لا إله إلا اللَّه، من أولئك المقتولين و ضجيجهم عند القتل- أي صراخ الزنج و ضحكهم- ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و هكذا كانوا يفعلون في كل محال البصرة في عدة أيام نحسات، و هرب الناس منهم كل مهرب، و حرقوا الكلأ من الجبل إلى الجبل، فكانت النار تحرق ما وجدت من شيء من إنسان أو بهيمة أو آثار أو غير ذلك، و أحرقوا المسجد الجامع [و قد قتل هؤلاء جماعة كثيرة من الأعيان و الأدباء و الفضلا. و المحدثين