البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - ذكر الحرب بين المعز الفاطمي و بين الحسين بن أحمد القرمطى
خلافة الطائع و خلع المطيع
ذكر ابن الأثير أنه لما كان الثالث عشر من ذي القعدة، و قال ابن الجوزي: كان ذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من ذي القعدة من هذه السنة، خلع المطيع للَّه و ذلك لفالج أصابه فثقل لسانه، فسأله سبكتكين أن يخلع نفسه و يولى من بعده ولده الطائع، فأجاب إلى ذلك فعقدت البيعة للطائع بدار الخلافة على يدي الحاجب سبكتكين، و خلع أبوه المطيع بعد تسع و عشرين سنة كانت له في الخلافة، و لكن تعوض بولاية ولده. و اسم الطائع أبو بكر عبد الكريم بن المطيع أبى القاسم، و لم يل الخلافة من اسمه عبد الكريم سواه، و لا من أبوه حي سواه، و لا من كنيته أبو بكر سواه و سوى أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه. و لم يل الخلافة من بنى العباس أسن منه، كان عمره لما تولى ثمانيا و أربعين سنة، و كانت أمه أم ولد اسمها غيث، تعيش يوم ولى. و لما بويع ركب و عليه البردة و بين يديه سبكتكين و الجيش، ثم خلع من الغد على سبكتكين خلع الملوك و لقبه ناصر الدولة، و عقد له الامارة. و لما كان يوم الأضحى ركب الطائع و عليه السواد، فخطب الناس بعد الصلاة خطبة خفيفة حسنة. و حكى ابن الجوزي في منتظمه أن المطيع للَّه كان يسمى بعد خلعه بالشيخ الفاضل.
ذكر الحرب بين المعز الفاطمي و بين الحسين بن أحمد القرمطى
لما استقر المعز الفاطمي بالديار المصرية و ابتنى فيها القاهرة و القصرين و تأكد ملكه، سار إليه الحسين بن أحمد القرمطى من الأحساء في جمع كثيف من أصحابه، و التف معه أمير العرب ببلاد الشام و هو حسان بن الجراح الطائي، في عرب الشام بكمالهم، فلما سمع بهم المعز الفاطمي أسقط في يده لكثرتهم، و كتب إلى القرمطى يستميله و يقول: إنما دعوة آبائك كانت إلى آبائي قديما، فدعوتنا واحدة، و يذكر فيه فضله و فضل آبائه، فرد عليه الجواب: و صل كتابك الّذي كثر تفضيله و قل تحصيله و نحن سائرون إليك على إثره و السلام. فلما انتهوا إلى ديار مصر عاثوا فيها قتلا و نهبا و فسادا و حار المعز فيما يصنع و ضعف جيشه عن مقاومتهم، فعدل إلى المكيدة و الخديعة، فراسل حسان بن الجراح أمير العرب و وعده بمائة ألف دينار إن هو خذل بين الناس، فبعث إليه حسان يقول أن ابعث إلى بما التزمت و تعال بمن معك، فإذا لقيتنا انهزمت بمن معى فلا يبقى للقرمطى قوة فتأخذه كيف شئت. فأرسل إليه بمائة ألف دينار في أكياسها، و لكن أكثرها زغل ضرب النحاس و ألبسه ذهبا و جعله في أسفل الأكياس، و جعل في رءوسها الدنانير الخالصة، و لما بعثها إليه ركب في إثرها في جيشه فالتقى الناس فانهزم حسان بمن معه، فضعف جانب القرمطى و قوى عليه الفاطمي فكسره، و انهزمت القرامطة و رجعوا إلى أذرعات في أذل حال و أرذله، و بعث المعز في آثارهم القائد أبا محمود بن إبراهيم في عشرة آلاف فارس، ليحسم مادة القرامطة و يطفئ نارهم عنه.