البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٢ - و هذه نبذة من سيرته و أحواله و كشف سريرته و أقواله
و من يك في دهره هكذا* * * يكن دهره القهقرى يرجع
ثم دخلت سنة تسع و ثلاثمائة
فيها وقع حريق كثير في نواحي بغداد بسبب زنديق قتل فألقى من كان من جهته الحريق في أما كن كثيرة، فهلك بسبب ذلك خلق كثير من الناس. و في جمادى الأولى منها قلد المقتدر مؤنس الخادم بلاد مصر و الشام و لقبه المظفر. و أمر بكتب ذلك في المراسلات إلى الآفاق. و في ذي القعدة منها أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إلى دار الوزير عيسى بن على المناظرة الحنابلة في أشياء نقموها عليه، فلم يحضروا و لا واحد منهم. و فيها قدم الوزير حامد بن العباس للخليفة بستانا بناه و سماه الناعورة قيمته مائة ألف دينار، و فرش مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة.
و فيها كان مقتل الحسين بن منصور الحلاج، و لنذكر شيئا من ترجمته و سيرته، و كيفية قتله على وجه الإيجاز و بيان المقصود بطريق الإنصاف و العدل، من غير تحمل و لا هوى و لا جور.
و هذه نبذة من سيرته و أحواله و كشف سريرته و أقواله
و نحن نعوذ باللَّه أن نقول عليه ما لم يكن قاله، أو نتحمل عليه في أقواله و أفعاله، فنقول: هو الحسين ابن منصور بن محمى الحلاج أبو مغيث، و يقال أبو عبد اللَّه، كان جده مجوسيا اسمه محمى من أهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء، و نشأ بواسط، و يقال بتستر، و دخل بغداد و تردد إلى مكة و جاور بها في وسط المسجد في البرد و الحر، مكث على ذلك سنوات متفرقة، و كان يصابر نفسه و يجاهدها، و لا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد الحرام، و لا يأكل إلا بعض قرص و يشرب قليلا من الماء معه وقت الفطور مدة سنة كاملة، و كان يجلس على صخرة في شدة الحر في جبل أبى قبيس، و قد صحب جماعة من سادات المشايخ الصوفية، كالجنيد بن محمد، و عمرو بن عثمان المكيّ، و أبى الحسين النوري. قال الخطيب البغدادي. و الصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم، و أبى أن يعده فيهم، و قبله من متقدميهم أبو العباس بن عطاء البغدادي، و محمد بن خفيف الشيرازي، و إبراهيم بن محمد النصرآباذيّ النيسابورىّ، و صححوا له حاله، و دونوا كلامه، حتى قال ابن خفيف:
الحسين بن منصور عالم رباني. و قال أبو عبد الرحمن السلمي- و اسمه محمد بن الحسين- سمعت إبراهيم ابن محمد النصرآباذيّ و عوتب في شيء حكى عن الحلاج في الروح فقال للذي عاتبه: إن كان بعد النبيين و الصديقين موحد فهو الحلاج. قال أبو عبد الرحمن: و سمعت منصور بن عبد اللَّه يقول سمعت الشبلي يقول: كنت أنا و الحسين بن منصور شيئا واحدا، إلا أنه أظهر و كتمت. و قد روى عن الشبلي من وجه آخر أنه قال، و قد رأى الحلاج مصلوبا. أ لم أنهك عن العالمين؟ قال الخطيب:
و الذين نفوه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في فعله، و إلى الزندقة في عقيدته و عقده. قال: و له إلى