البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢١ - جعفر بن محمد
و غزال أسود. و في شعبان منها ركب المقتدر إلى باب الشماسية على الخليل ثم انحدر إلى داره في دجلة- و كانت أول ركبة ركبها جهرة للعامة- و فيها استأذن الوزير على بن عيسى الخليفة المقتدر في مكاتبة رأس القرامطة أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي فأذن له، فكتب كتابا طويلا يدعوه فيه إلى السمع و الطاعة، و يوبخه على ما يتعاطاه من ترك الصلاة و الزكاة و ارتكاب المنكرات، و إنكارهم على من يذكر اللَّه و يسبحه و يحمده، و استهزائهم بالدين و استرقاقهم الحرائر، ثم توعده بالحرب و تهدده بالقتل، فلما سار بالكتاب نحوه قتل أبو سعيد قبل أن يصله، قتله بعض خدمه، و عهد بالأمر من بعده لولده سعيد، فغلبه على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد، فلما قرأ كتاب الوزير أجابه بما حاصله: إن هذا الّذي تنسب إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنع علينا، و إذا كان الخليفة ينسبنا إلى الكفر باللَّه فكيف يدعونا إلى السمع و الطاعة له؟ و فيها جيء بالحسين بن منصور الحلاج إلى بغداد و هو مشهور على جمل و غلام له راكب جملا آخر، ينادى عليه: أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس ثم جيء به إلى مجلس الوزير فناظره فإذا هو لا يقرأ القرآن و لا يعرف في الحديث و لا الفقه شيئا، و لا في اللغة و لا في الأخبار و لا في الشعر شيئا، و كان الّذي نقم عليه:
أنه وجدت له رقاع يدعو فيها الناس إلى الضلالة و الجهالة بأنواع من الرموز، يقول في مكاتباته كثيرا: تبارك ذو النور الشعشعاني. فقال له الوزير: تعلمك الطهور و الفروض أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها، و ما أحوجك إلى الأدب. ثم أمر به فصلب حيا صلب الاشتهار لا القتل، ثم أنزل فأجلس في دار الخلافة، فجعل يظهر لهم أنه على السنة، و أنه زاهد، حتى اغتر به كثير من الخدام و غيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة، حتى صاروا يتبركون به و يتمسحون بثيابه. و سيأتي ما صار إليه أمره حين قتل بإجماع الفقهاء و أكثر الصوفية. و وقع في هذه السنة في آخرها ببغداد وباء شديد جدا مات بسببه بشر كثير، و لا سيما بالحربية غلقت عامة دورها. و حج بالناس فيها الأمير المتقدم ذكره.
و فيها توفى من الأعيان.
إبراهيم بن خالد الشافعيّ
جمع العلم و الزهد، و هو من تلاميذ أبى بكر الإسماعيلي.
جعفر بن محمد
ابن الحسين بن المستفاض أبو بكر الفريابي قاضى الدينور، طاف البلاد في طلب العلم، و سمع الكثير من المشايخ الكثيرين، مثل قتيبة و أبى كريب و على بن المديني، و عنه أبو الحسين بن المنادي و النجاد و أبو بكر الشافعيّ و خلق، و استوطن بغداد و كان ثقة حافظا حجة، و كان عدة من يحضر مجلسه نحوا من ثلاثين ألفا، و المستملون عليه منهم فوق الثلاثمائة، و أصحاب المحابر نحوا من عشرة آلاف. توفى في المحرم منها عن أربع و تسعين سنة، و كان قد حفر لنفسه قبرا قبل وفاته