البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - ابن الجصاص الجوهري
قتال أعداء اللَّه، و إن هذا الأمر لم يقع أمر بعد زمن الصحابة أفظع منه، قد قطع هذا الكافر طريق الحج على الناس، و فتك في المسلمين مرة بعد مرة، و إن بيت المال ليس فيه شيء، فاتق اللَّه يا أمير المؤمنين و خاطب السيدة- يعنى أمه- لعل أن يكون عندها شيء ادخرته لشدة، فهذا وقته. فدخل على أمه فكانت هي التي ابتدأته بذلك، و بذلت له خمسمائة ألف دينار، و كان في بيت المال مثلها، فسلمها الخليفة إلى الوزير ليصرفها في تجهيز الجيوش لقتال القرامطة، فجهز جيشا أربعين ألف مقاتل مع أمير يقال له بلبق، فسار نحوهم، فلما سمعوا به أخذوا عليه الطرقات، فأراد دخول بغداد فلم يمكنه، ثم التقوا معه فلم يلبث بلبق و جيشه أن انهزم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و كان يوسف بن أبى الساج معهم مقيدا في خيمة فجعل ينظر إلى محل الوقعة، فلما رجع القرمطى قال: أردت أن تهرب؟ فأمر به فضربت عنقه. و رجع القرمطى من ناحية بغداد إلى الأنبار. ثم انصرف إلى هيت فأكثر أهل بغداد الصدقة، و كذلك الخليفة و أمه و الوزير شكرا للَّه على صرفه عنهم. و فيها بعث المهدي المدعى أنه فاطمي ببلاد المغرب ولده أبا القاسم في جيش إلى بلاد منها، فانهزم جيشه و قتل من أصحابه خلق كثير. و فيها اختط المهدي المذكور مدينته المحمدية. و فيها حاصر عبد الرحمن بن الداخل إلى بلاد المغرب الأموي مدينة طليطلة، و كانوا مسلمين، لكنهم نقضوا عهده ففتحها قهرا و قتل خلقا من أهلها.
و فيها توفى من الأعيان:
ابن الجصاص الجوهري
و اسمه الحسين بن عبد اللَّه بن الجصاص الجوهري أبو عبد اللَّه البغدادي، كان ذا مال عظيم و ثروة واسعة، و كان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون، كان قد جعله جوهر يا له يسوق له ما يقع من نفائس الجواهر بمصر، فاكتسب بسبب ذلك أموالا جزيلة جدا. قال ابن الجصاص: كنت يوما بباب ابن طولون إذ خرجت القهرمانة و بيدها عقد فيه مائة حبة من الجوهر، تساوى كل واحدة ألفى دينار. قالت: أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم. فان هذا نافر عما يريدونه.
فأخذته منها و ذهبت به إلى منزلي و جعلت جواهر أصغر منه تساوى أقل من عشر قيمة تلك بكثير، فدفعتها إليها و فزت أنا بذلك الّذي جاءت به، و أرادت خرطه و إتلافه. فكانت قيمته مائتي ألف دينار. و اتفق أنه صودر في أيام المقتدر مصادرة عظيمة، أخذ منه فيها ما يقاوم ستة عشر ألف ألف دينار، و بقي معه من الأموال شيء كثير جدا. قال بعض التجار: دخلت عليه فوجدته يتردد في منزله كأنه مجنون، فقلت له: مالك هكذا؟ فقال: ويحك، أخذ منى كذا و كذا فأنا أحسن أن روحي ستخرج، فعذرته ثم أخذت في تسليته فقلت له: إن دورك و بساتينك و ضياعك الباقية تساوى سبعمائة ألف دينار، و أصدقني كم بقي عندك من الجواهر و المتاع؟ فإذا شيء يساوى ثلاثمائة ألف دينار