البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦ - محمد بن إسماعيل البخاري
البخاري فضلوه على أنفسهم. و قال أبو العباس الدغولي: كتب أهل بغداد إلى البخاري:
المسلمون بخير ما حبيت لهم* * * و ليس بعدك خير حين تفتقد
و قال الفلاس: كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث. و قال أبو نعيم أحمد بن حماد: هو فقيه هذه الأمة. و كذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي. و منهم من فضله في الفقه و الحديث على الامام أحمد بن حنبل، و إسحاق بن راهويه و قال قتيبة بن سعيد: رحل إليّ من شرق الأرض و غربها خلق فما رحل إلى مثل محمد بن إسماعيل البخاري. و قال مرجّى بن رجاء: فضل البخاري على العلماء كفضل الرجال على النساء- يعنى في زمانه- و أما قبل زمانه مثل قرب الصحابة و التابعين فلا. و قال هو آية من آيات اللَّه تمشى على الأرض. و قال أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ: محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا و أعلمنا و أغوصنا و أكثرنا طلبا. و قال إسحاق بن راهويه: هو أبصر منى.
و قال أبو حاتم الرازيّ: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق. و قال عبد اللَّه العجليّ: رأيت أبا حاتم و أبا زرعة يجلسان إليه يسمعان ما يقول، و لم يكن مسلم يبلغه، و كان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا و كذا، و كان حييا فاضلا يحسن كل شيء. و قال غيره: رأيت محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأسامي و الكنى و العلل، و هو يمر فيه كالسهم، كأنه يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. و قال أحمد بن حمدون القصار: رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بين عينيه و قال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، و سيد المحدثين، و طبيب الحديث في علله، ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فذكر له علته فلما فرغ قال مسلم لا يبغضك إلا حاسد، و أشهد أن ليس في الدنيا مثلك. و قال الترمذي: لم أر بالعراق و لا في خراسان في معنى العلل و التاريخ و معرفة الأسانيد أعلم من البخاري، و كنا يوما عند عبد اللَّه بن منير فقال للبخاريّ: جعلك اللَّه زين هذه الأمة. قال الترمذي: فاستجيب له فيه. و قال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لا أحفظ له من محمد ابن إسماعيل البخاري، و لو استقصينا ثناء العلماء عليه في حفظه و إتقانه و علمه و فقهه و ورعه و زهده و عبادته لطال علينا، و نحن على عجل من أجل الحوادث و اللَّه سبحانه المستعان. و قد كان البخاري (رحمه اللَّه) في غاية الحياء و الشجاعة و السخاء و الورع و الزهد في الدنيا دار الفناء، و الرغبة في الآخرة دار البقاء. و قال البخاري: إني لأرجو أن ألقى اللَّه و ليس أحد يطالبني أنى اغتبته. فذكر له التاريخ و ما ذكر فيه من الجرح و التعديل و غير ذلك. فقال: ليس هذا من هذا،
قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «ائذنوا له فلبئس أخو العشيرة»
و نحن إنما روينا ذلك رواية و لم نقله من عند أنفسنا. و قد كان (رحمه اللَّه) يصلى في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة، و كان يختم القرآن في كل ليلة من رمضان ختمة، و كانت له جدة و مال جيد ينفق منه سرا و جهرا، و كان يكثر الصدقة بالليل و النهار، و كان مستجاب الدعوة مسدد