البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٩ - و هذه ترجمة المقتدر باللَّه
مؤنسا. فركب و هو كاره و بين يديه الفقهاء و معهم المصاحف المنشورة، و عليه البردة و الناس حوله، فوقف على تل عال بعيد من المعركة و نودي في الناس: من جاء برأس فله خمسة دنانير، و من جاء بأسير فله عشرة دنانير. ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدم فامتنع من التقدم إلى محل المعركة، ثم ألحوا عليه فجاء بعد تمنع شديد، فما وصل إليهم حتى انهزموا و فروا راجعين، و لم يلتفتوا إليه و لا عطفوا عليه، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس على بن بليق، فلما رآه ترجل و قبل الأرض بين يديه و قال: لعن اللَّه من أشار عليك بالخروج في هذا اليوم. ثم وكل به قوما من المغاربة البرير، فلما تركهم و إياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم أنا الخليفة. فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، إنما أنت خليفة إبليس، تنادى في جيشك من جاء برأس فله خمسة دنانير؟ و ضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض، و ذبحه آخر و تركوا جثته، و قد سلبوه كل شيء كان عليه، حتى سراويله، و بقي مكشوف العورة مجندلا على الأرض، حتى جاء رجل فغطى عورته بحشيش ثم دفنه في موضعه و عفا أثره، و أخذت المغاربة رأس المقتدر على خشبة قد رفعوها و هم يلعنونه، فلما انتهوا به إلى مؤنس- و لم يكن حاضرا الوقعة- فحين نظر إليه لطم رأس نفسه و وجهه و قال: ويلكم، و اللَّه لم آمركم بهذا، لعنكم اللَّه، و اللَّه لنقتلن كلنا. ثم ركب و وقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، و هرب عبد الواحد بن المقتدر و هارون بن عريب، و أبناء رائق، إلى المدائن، و كان فعل مؤنس هذا سببا لطمع ملوك الأطراف في الخلفاء، و ضعف أمر الخلافة جدا، مع ما كان المقتدر يعتمده في التبذير و التفريط في الأموال، و طاعة النساء، و عزل الوزراء، حتى قيل إن جملة ما صرفه في الوجوه الفاسدة ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار.
و هذه ترجمة المقتدر باللَّه
هو جعفر بن أحمد المعتضد باللَّه أحمد بن أبى أحمد الموفق بن جعفر المتوكل على اللَّه بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، يكنى أبا الفضل، أمير المؤمنين العباسي، مولده في ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان سنة ثنتين و ثمانين و مائتين، و أمه أم ولد اسمها شغب، و لقبت في خلافة ولدها بالسيدة.
بويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي يوم الأحد لأربع عشرة مضت من ذي القعدة، سنة خمس و تسعين و مائتين، و هو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة و شهر و أيام. و لهذا أراد الجند خلعه في ربيع الأول من سنة ست و تسعين محتجين بصغره و عدم بلوغه، و تولية عبد اللَّه بن المعتز، فلم يتم ذلك، و انتقض الأمر في ثانى يوم كما ذكرنا. ثم خلعوه في المحرم من سنة سبع عشرة و ثلاثمائة و ولوا أخاه محمدا القاهر كما تقدم، فلم يتم ذلك سوى يومين، ثم رجع إلى الخلافة كما ذكرنا. و قد كان المقتدر ربعة من الرجال حسن الوجه و العينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشعر، مدور الوجه، مشربا بحمرة، حسن الخلق، قد شاب رأسه و عارضاه، و قد كان معطاء جوادا، و له عقل جيد، و فهم وافر، و ذهن صحيح،