البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - ثم دخلت سنة أربع و ستين و ثلاثمائة
من يتمنى العمر فليتخذ* * * صبرا على فقد أحبابه
و من يعمر يلق في نفسه* * * ما يتمناه لأعدائه
كذا ذكر ابن الساعي هذين البيتين من شعر سيف الدولة في أخيه أبى فراس، و ذكرها ابن الجوزي من شعر أبى فراس نفسه، و أن الأعرابي أجازهما بالبيتين المذكورين بعدهما. و من شعر أبى فراس:
سيفقدنى قومي إذا جد جدهم* * * و في الليلة الظلماء يفتقد البدر
و لو سد غيري ما سددت اكتفوا* * * به و ما فعل النسر الرفيق مع الصقر
و قوله من قصيدة:
إلى اللَّه أشكو إننا بمنازل* * * تحكم في آسادهن كلاب
فليتك تحلو و الحياة مريرة* * * وليتك ترضى و الأنام غضاب
و ليت الّذي بيني و بينك عامر* * * و بيني و بين العالمين خراب
ثم دخلت سنة أربع و ستين و ثلاثمائة
فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه إلى واسط و معه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد، فهرب منه الفتكين في الأتراك إلى بغداد، فسار خلفهم فنزل في الجانب الشرقي منها، و أمر بختيار أن ينزل على الجانب الغربي، و حصر الترك حصرا شديدا، و أمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف و يقطعوا عن بغداد الميرة الواصلة إليها، فغلت الأسعار و امتنع الناس من المعاش من كثرة العيارين و النهوب، و كبس الفتكين البيوت لطلب الطعام و اشتد الحال، ثم التقت الأتراك و عضد الدولة فكسرهم و هربوا إلى تكريت و استحوذ عضد الدولة على بغداد و ما والاها من البلاد، و كانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة فرده عضد الدولة إلى دار الخلافة مكرما، و نزل هو بدار الملك و ضعف أمر بختيار جدا، و لم يبق معه شيء بالكلية، فأغلق بابه و طرد الحجبة و الكتاب عن بابه و استعفى عن الامارة، و كان ذلك بمشورة عضد الدولة، فاستعطفه عضد الدولة في الظاهر، و قد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل فلم يقبل. و ترددت الرسل بينهما فصمم بختيار على الامتناع ظاهرا، فألزم عضد الدولة بذلك و أظهر للناس أنه إنما يفعل هذا عجزا منه عن القيام بأعباء الملك فأمر بالقبض على بختيار و على أهله و اخوته، ففرح بذلك الخليفة الطائع، و أظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسا، و جدد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسا، و أرسل إلى الخليفة بالأموال و الأمتعة الحسنة العزيزة و قتل المفسدين من مردة الترك و شطار العيارين.
قال ابن الجوزي: و في هذه السنة عظم البلاء بالعيارين ببغداد، و أحرقوا سوق باب الشعير، و أخذوا أموالا كثيرة، و ركبوا الخيول و تلقبوا بالقواد، و أخذوا الخفر من الأسواق و الدروب،