البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٤ - ثم دخلت سنة خمس عشرة و ثلاثمائة
الجوزي: و في يوم الأحد لثمان مضين من شوال منها- و هو سابع كانون الأول- سقط ببغداد ثلج عظيم جدا حصل بسببه برد شديد، بحيث أتلف كثيرا من النخيل و الأشجار، و جمدت الأدهان حتى الأشربة، و ماء الورد و الخل و الخلجان الكبار، و دجلة. و عقد بعض مشايخ الحديث مجلسا للتحديث على متن دجلة من فوق الجمد، و كتب هنالك، ثم انكسر البرد بمطر وقع فأزال ذلك كله و للَّه الحمد. و فيها قدم الحجاج من خراسان إلى بغداد فاعتذر إليهم مؤنس الخادم بأن القرامطة قد قصدوا مكة، فرجعوا و لم يتهيأ الحج في هذه السنة من ناحية العراق بالكلية. و في ذي القعدة عزل الخليفة وزيره أبا العباس الخصيبى بعد سنة و شهرين، و أمر بالقبض عليه و حبسه، و ذلك لاهماله أمر الوزارة و النظر في المصالح، و ذلك لاشتغاله بالخمر في كل ليلة فيصبح مخمورا لا تمييز له، و قد و كل الأمور إلى نوابه فخانوا و عملوا مصالحهم، و ولى أبا القاسم عبيد اللَّه بن محمد الكلوذاني نيابة عن على بن عيسى، حتى يقدم، ثم أرسل في طلب على بن عيسى و هو بدمشق، فقدم بغداد في أبهة عظيمة، فنظر في المصالح الخاصة و العامة، و رد الأمور إلى السداد، و تمهدت الأمور.
و استدعى بالخصيبى فتهدده و لامه و ناقشه على ما كان يعتمده و يفعله في خاصة نفسه من معاصي اللَّه عز و جل، و في الأمور العامة، و ذلك بحضرة القضاة و الأعيان. ثم رده إلى السجن. و فيها أخذ نصر ابن أحمد الساماني الملقب بالسعيد بلاد الري و سكنها إلى سنة ست عشرة و ثلاثمائة. و فيها غزت الصائفة من طرسوس بلاد الروم فغنموا و سلموا. و لم يحج ركب العراق خوفا من القرامطة.
و فيها توفى من الأعيان سعد النوبي صاحب باب النوبي من دار الخلافة ببغداد في صفر، و أقيم أخوه مكانه في حفظ هذا الباب الّذي صار ينسب بعد إليه. و محمد بن محمد الباهلي. و محمد بن عمر ابن لبابة القرمطى. و نصر بن القاسم الفرائضى الحنفي أبو الليث، سمع القواريري و كان ثقة عالما بالفرائض على مذهب أبى حنيفة، مقربا جليلا.
ثم دخلت سنة خمس عشرة و ثلاثمائة
في صفر منها كان قدوم على بن عيسى الوزير من دمشق، و قد تلقاه الناس إلى أثناء الطريق، فمنهم من لقيه إلى الأنبار، و منهم دون ذلك. و حين دخل إلى الخليفة خاطبه الخليفة فأحسن مخاطبته ثم انصرف إلى منزله، فبعث الخليفة وراءه بالفرش و القماش و عشرين ألف دينار، و استدعاه من الغد فخلع عليه فأنشد و هو في الخلعة:
ما الناس إلا مع الدنيا و صاحبها* * * فكيف ما انقلبت به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فان وثبت* * * يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
و فيها جاءت الكتب بأن الروم دخلوا شميساط و أخذوا جميع ما فيها، و نصبوا فيها خيمة الملك