البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - أحمد بن طولون
و تشديد ملك قد و هي بعد عزه* * * و أخذ بثأرات تبير الأعاديا
ورد عمارات أزيلت و أخربت* * * ليرجع فيء قد تخرم وافيا
و ترجع أمصار أبيحت و أحرقت* * * مرارا و قد أمست قواء عوافيا
و يشفى صدور المسلمين بوقعة* * * تقر بها منا العيون البواكيا
و يتلى كتاب اللَّه في كل مسجد* * * و يلفى دعاء الطالبيين خاسيا
فاعرض عن أحبابه و نعيمه* * * و عن لذة الدنيا و أصبح غازيا
و في هذه السنة أقبلت الروم في مائة ألف مقاتل فنزلوا قريبا من طرسوس فخرج إليهم المسلمون فبيتوهم فقتلوا منهم في ليلة واحدة حتى الصباح نحوا من سبعين ألفا و للَّه الحمد. و قتل المقدم الّذي عليهم و هو بطريق البطارقة، و جرح أكثر الباقين، و غنم المسلمون منهم غنيمة عظيمة، من ذلك سبع صلبان من ذهب و فضة، و صليبهم الأعظم و هو من ذهب صامت مكلل بالجواهر، و أربع كراسي من ذهب و مائتي كرسي من فضة، و آنية كثيرة، و عشرة آلاف علم من ديباج، و غنموا حريرا كثيرا و أموالا جزيلة، و خمسة عشر ألف دابة و سروجا و سلاحا و سيوفا محلاة و غير ذلك و للَّه الحمد.
و فيها توفى من الأعيان:
أحمد بن طولون
أبو العباس أمير الديار المصرية و باني الجامع بها المنسوب إلى طولون، و إنما بناه أحمد ابنه، و قد ملك دمشق و العواصم و الثغور مدة طويلة، و قد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في سنة مائتين، و يقال إلى الرشيد في سنة تسعين و مائة. ولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة و مائتين، و مات طولون أبوه في سنة ثلاثين، و قيل في سنة أربعين و مائتين.
و حكى ابن خلكان أنه لم يكن أباه و إنما تبناه و اللَّه أعلم. و حكى ابن عساكر أنه من جارية تركية اسمها هاشم. و نشأ أحمد هذا في صيانة و عفاف و رياسة و دراسة للقرآن العظيم، مع حسن الصوت به، و كان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرمات و المنكرات، و كانت أمه جارية اسمها هاشم. و حكى ابن عساكر عن بعض مشايخ مصر أن طولون لم يكن أباه و إنما كان قد تبناه لديانته و حسن صوته بالقرآن و ظهور نجابته و صيانته من صغره، و أن طولون اتفق له معه أن بعثه مرة في حاجة ليأتيه بها من دار الامارة فذهب فإذا حظية من حظايا طولون مع بعض الخدم و هما على فاحشة، فأخذ حاجته التي أمره بها و كرّ راجعا إليه سريعا، و لم يذكر له شيئا مما رأى من الحظية و الخادم، و فتوهمت الحظية أن يكون أحمد قد أخبر طولون بما رأى، فجاءت إلى طولون فقالت: إن أحمد جاءني الآن إلى المكان الفلاني و راودني عن نفسي و انصرفت إلى قصرها، فوقع في نفسه صدقها فاستدعى أحمد