البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - صفة مقتل عز الدولة بختيار بن معز الدولة و أخذ الموصل و أعمالها
و تحول عضد الدولة من مجلسه و جلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون إليه بين الدولة كلام يكرهه، و قيل لابن سمعون إذا دخلت على الملك فتواضع في الخطاب و قبّل التراب. فلما دخل دار الملك وجده قد جلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون في حقه كلام بحضرة الناس يؤثر عنه. و دخل الحاجب بين يديه يستأذن له عليه و دخل ابن سمعون وراءه، ثم استفتح القراءة بقوله (وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ) الآية. ثم التفت بوجهه نحو دار عز الدولة ثم قرأ (ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ثم أخذ في مخاطبة الملك و وعظه فبكى عضد الدولة بكاء كثيرا، و جزاه خيرا. فلما خرج من عنده قال للحاجب: اذهب فخذ ثلاثة آلاف درهم و عشرة أثواب و ادفعها له فان قبلها جئني برأسه، قال الحاجب: فجئته فقلت: هذا أرسل به الملك إليك. فقال: لا حاجة لي به، هذه ثيابي من عهد أبى منذ أربعين سنة كلما خرجت إلى الناس لبستها، فإذا رجعت طويتها، و لي دار آكل من أجرتها تركها لي أبى فانا في غنية عما أرسل به الملك. فقلت: فرقها في فقراء أهلك. فقال: فقراء أهله أحق بها من فقراء أهلي، و أفقر إليها منهم.
فرجعت إلى الملك لأشاوره و أخبره بما قال، فسكت ساعة ثم قال: الحمد للَّه الّذي سلمه منا و سلمنا منه. ثم إن عضد الدولة أخذ ابن بقية الوزير لعز الدولة فأمر به فوضع بين قوائم الفيلة فتخبطته بأرجلها حتى هلك، ثم صلب على رأس الجسر في شوال منها، فرثاه أبو الحسين بن الأنباري بأبيات يقول فيها:
علو في الحياة و في الممات* * * بحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا* * * وفود نداك أيام الصلات
كأنك واقف فيهم خطيبا* * * و كلهم وقوف للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء* * * كمدهما إليهم بالهبات
و هي قصيدة طويلة أورد كثيرا منها ابن الأثير في كامله.
صفة مقتل عز الدولة بختيار بن معز الدولة و أخذ الموصل و أعمالها
لما دخل عضد الدولة بغداد و تسلمها خرج منها بختيار ذليلا طريدا في فل من الناس، و من عزمه أن يذهب إلى الشام فيأخذها، و كان عضد الدولة قد حلفه أن لا يتعرض لأبى تغلب لمودة كانت بينهما و مراسلات، فحلف له على ذلك، و حين خرج من بغداد كان معه حمدان بن ناصر الدولة ابن حمدان فحسن لعز الدولة أخذ بلاد الموصل من أبى تغلب، لأنها أطيب و أكثر مالا من الشام و أقرب إليه، و كان عز الدولة ضعيف العقل قليل الدين، فلما بلغ ذلك أبا تغلب أرسل إلى عز الدولة يقول له: لئن أرسلت إلى ابن أخى حمدان بن ناصر الدولة أغنيتك بنفسي و جيشي حتى آخذ لك ملك بغداد من عضد الدولة، و أردك إليها. فعند ذلك أمسك حمدان و أرسله إلى عمه أبى تغلب