البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣ - ثم دخلت سنة تسع و أربعين و مائتين
الكثيرة و كان بارعا في اللغة. اشتغل فيها على أبى عبيد و الأصمعي، و أكثر الرواية عن أبى زيد الأنصاري. و أخذ عنه المبرّد و ابن دريد و غيرهما. و كان صالحا كثير الصدقة و التلاوة، كان يتصدق كل يوم بدينار و يقرأ في كل أسبوع بختمة، و له شعر كثير منه قوله:
أبرزوا وجهه الجميل* * * و لاموا من افتتن
لو أرادوا صيانتى* * * ستروا وجهه الحسن
كانت وفاته في المحرم، و قيل في رجب من هذه السنة
ثم دخلت سنة تسع و أربعين و مائتين
في يوم الجمعة للنصف من رجب التقى جمع من المسلمين و خلق من الروم بالقرب من ملطية، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين خلق كثير، و قتل أمير المسلمين عمر بن عبد اللَّه بن الأقطع، و قتل معه ألفا رجل من المسلمين، و كذلك قتل على بن يحيى الأرمني، و كان أميرا في طائفة من المسلمين أيضا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و قد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام. و وقعت فتنة عظيمة ببغداد في أول يوم من صفر منها، و ذلك أن العامة كرهوا جماعة من الأمراء الذين قد تغلبوا على أمر الخلافة و قتلوا المتوكل و استضعفوا المنتصر و المستعين بعده، فنهضوا إلى السجن فأخرجوا من كان فيه، و جاءوا إلى أحد الجسرين فقطعوه و ضربوا الآخر بالنار، و أحرقوا و نادوا بالنفير فاجتمع خلق كثير و جم غفير، و نهبوا أماكن متعددة، و ذلك بالجانب الشرقي من بغداد. ثم جمع أهل اليسار أموالا كثيرة من أهل بغداد لتصرف إلى من ينهض إلى ثغور المسلمين لقتال العدو عوضا عن من قتل من المسلمين هناك، فأقبل الناس من نواحي الجبال و أهواز و فارس و غيرها لغزو الروم، و ذلك أن الخليفة و الجيش لم ينهضوا إلى بلاد الروم و قتال أعداء الإسلام، و قد ضعف جانب الخلافة و اشتغلوا بالقيان و الملاهي، فعند ذلك غضبت العوام من ذلك و فعلوا ما ذكرنا. و لتسع بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامرا إلى السجن فأخرجوا من فيه أيضا كما فعل أهل بغداد و جاءهم قوم من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فعند ذلك ركب وصيف و بغا الصغير و عامة الأتراك فقتلوا من العامة خلقا كثيرا، و جرت فتن طويلة ثم سكنت.
و في منتصف ربيع الآخر وقعت فتنة بين الأتراك و ذلك أن المستعين قد فوض أمر الخلافة و التصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة و هم أتامش التركي، و كان أخص من عند الخليفة و هو بمنزلة الوزير، و في حجره العباس بن المستعين يربيه و يعلمه الفروسية. و شاهك الخادم، و أم الخليفة.
و كان لا يمنعها شيئا تريده، و كان لها كاتب يقال له سلمة بن سعيد النصراني. فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يبق ببيت المال شيئا، فغضب الأتراك من ذلك و غاروا منه فاجتمعوا