البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - هارون بن محمد
باب الوزير فلم يعرفه أحد، فجلس لعل أحدا يستأذن له على الوزير حتى طال عليه المجلس و هم بالانصراف، ثم إنه قال لبعض الحجبة قل للوزير: إني رجل رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و أنا أريد أن أقصه على الوزير. فقال له الحاجب: و أنت صاحب الرؤيا؟ إن الوزير قد أنفذ في طلبك رسلا متعددة. ثم دخل الحجاب فأخبروا الوزير فقال: أدخله على سريعا. فدخل عليه فأقبل عليه الوزير يستعلم عن حاله و اسمه و صفته و منزله، فذكر ذلك له، فقال له الوزير: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يأمرني بإعطائك أربعمائة دينار، فأصبحت لا أدرى من أسأل عنك، و لا أعرفك و لا أعرف أين أنت، و قد أرسلت في طلبك إلى الآن عدة رسل فجزاك اللَّه خيرا عن قصدك إياي. ثم أمر الوزير بإحضار ألف دينار فقال: هذه أربعمائة دينار لأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ستمائة هبة من عندي.
فقال الرجل: لا و اللَّه لا أزيد على ما أمرنى به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانى أرجو الخير و البركة فيه. ثم أخذ منها أربعمائة دينار، فقال الوزير: هذا هو الصدق و اليقين. فخرج و معه الأربعمائة دينار فعرض على أرباب الديون أموالهم فقالوا: نحن نصبر عليك ثلاث سنين، و افتح بهذا الذهب دكانك و دم على كسبك. فأبى إلا أن يعطيهم من أموالهم الثلث، فدفع إليهم مائتي دينار، و فتح حانوته بالمائتى دينار الباقية، فما حال عليه الحول حتى ربح ألف دينار. و لعلى بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة. كانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة. و يقال في التي قبلها و اللَّه أعلم.
محمد بن إسماعيل
ابن إسحاق بن بحر أبو عبد اللَّه الفارسي الفقيه الشافعيّ، كان ثقة ثبتا فاضلا، سمع أبا زرعة الدمشقيّ و غيره، و عنه الدار قطنى و غيره و آخر من حدث عنه أبو عمر بن مهدي، توفى في شوال من هذه السنة.
هارون بن محمد
ابن هارون بن على بن موسى بن عمرو بن جابر بن يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تميم بن صبح بن ذهل بن مالك بن سعيد بن حبنة أبو جعفر، والد القاضي أبى عبد اللَّه الحسن بن هارون.
كان أسلافه ملوك عمان في قديم الزمان، و جده يزيد بن جابر أدرك الإسلام فأسلم و حسن إسلامه، و كان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عمان فنزل بغداد و حدث بها، و روى عن أبيه، و كان فاضلا متضلعا من كل فن، و كانت داره مجمع العلماء في سائر الأيام، و نفقاته دارة عليهم، و كان له منزلة عالية، و مهابة ببغداد، و قد أثنى عليه الدار قطنى ثناء كثيرا، و قال: كان مبرزا في النحو و اللغة و الشعر، و معاني القرآن، و علم الكلام.
قال ابن الأثير: و فيها توفى أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن العباس بن صول الصولي، و كان عالما بفنون الآداب و الأخبار، و إنما ذكره ابن الجوزي في التي بعدها كما سيأتي.