البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - و توفى فيها من الأعيان
هم فيه، فأنا أستغفر اللَّه منذ ثلاثين سنة. رواها الخطيب عنه. و قال: صليت و ردى ذات ليلة ثم مددت رجلي في المحراب فنوديت: يا سرى هكذا تجالس الملوك؟ قال فضممت رجلي و قلت:
و عزتك لا مددت رجلي أبدا. و قال الجنيد: ما رأيت أعبد من سرى السقطي. أتت عليه ثمان و تسعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت. و روى الخطيب عن أبى نعيم عن جعفر الخلدى عن الجنيد قال: دخلت عليه أعوده فقلت: كيف تجدك؟ فقال:
كيف أشكو إلى طبيبي ما بى* * * و الّذي أصابنى من طبيبي
قال: فأخذت المروحة لأروح عليه فقال: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟ ثم أنشأ يقول:
القلب محترق و الدمع مستبق* * * و الكرب مجتمع و الصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له* * * مما جناه الهوى و الشوق و القلق
يا رب إن كان شيء لي به فرج* * * فامنن على به ما دام بى رمق
قال فقلت له: أوصني، قال: لا تصحب الأشرار، و لا تشتغل عن اللَّه بمجالسة الأبرار الأخيار.
و قد ذكر الخطيب وفاته يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث و خمسين و مائتين بعد أذان الفجر، و دفن بعد العصر بمقبرة الشوينزى، و قبره ظاهر معروف، و إلى جنبه قبر الجنيد.
و روى عن أبى عبيدة بن حريوبة قال: رأيت سريا في المنام فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال غفر لى و لكل من شهد جنازتي. قلت: فانى ممن حضر جنازتك و صلى عليك. قال: فأخرج درجا فنظر فيه فلم ير فيه اسمى، فقلت: بلى! قد حضرت فإذا اسمى في الحاشية. و حكى ابن خلكان قولا أن سريا توفى سنة إحدى و خمسين، و قيل سنة ست و خمسين فاللَّه أعلم. قال ابن خلكان: و كان السري ينشد كثيرا:
و لما ادعيت الحب قالت كذبتني* * * فما لى أرى الأعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشى* * * و تذهل حتى لا تجيب المناديا
ثم دخلت سنة أربع و خمسين و مائتين
فيها أمر الخليفة المعتز بقتل بغا الشرابي و نصب رأسه بسامراء ثم ببغداد و حرقت جثته و أخذت أمواله و حواصله. و فيها ولى الخليفة أحمد بن طولون الديار المصرية، و هو باني الجامع المشهور بها.
و حج بالناس فيها على بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد.
و توفى فيها من الأعيان
زياد بن أيوب الحسيانى. و على بن محمد بن موسى الرضى، يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة ببغداد. و صلى عليه أبو أحمد المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبى أحمد. و دفن بداره ببغداد.
و محمد بن عبد اللَّه المخرمي. و موهل بن إهاب.