البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣ - سرى السقطي
بإلقاء النار فيه فجعل النفط يحرق أصحاب الكوكبي ففروا سراعا هاربين، و كر عليهم موسى و أصحابه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة و هرب الكوكبي إلى الديلم، و تسلم موسى قزوين. و فيها حج بالناس عبد اللَّه ابن محمد بن سليمان الزينبي.
و فيها توفى من الأعيان
أبو الأشعث. و أحمد بن سعيد الدارميّ. و
سرى السقطي
أحد كبار مشايخ الصوفية. تلميذ معروف الكرخي. حدث عن هشيم و أبى بكر بن عياش و على ابن عراب و يحيى بن يمان و يزيد بن هارون و غيرهم. و عنه ابن أخته الجنيد بن محمد. و أبو الحسن النوري و محمد بن الفضل بن جابر السقطي و جماعة. و كانت له دكان يتجر فيها فمرت به جارية قد انكسر إناء كان معها تشترى فيه شيئا لسادتها، فجعلت تبكى فأعطاها سرى شيئا تشترى بدله، فنظر معروف إليه و ما صنع بتلك الجارية فقال له: بغّض اللَّه إليك الدنيا فوجد الزهد من يومه. و قال سرى: مررت في يوم عيد فإذا معروف و معه صغير شعث الحال فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كان واقفا عند صبيان يلعبون بالجوز و هو مفكر، فقلت له: مالك لا تلعب كما يلعبون؟ فقال: أنا يتيم و لا شيء معى أشترى به جوزا ألعب به. فأخذته لأجمع له نوى يشترى به جوزا يفرح به.
فقلت ألا أكسوه و أعطيه شيئا يشترى به جوزا؟ فقال أو تفعل؟ فقلت: نعم. فقال خذه أغنى اللَّه قلبك. قال سرى: فصغرت عندي الدنيا حتى لهى أقل شيء. و كان عنده مرة لوز فساومه رجل على الكر بثلاثة و ستين دينارا، ثم ذهب الرجل فإذا اللوز يساوى الكر تسعين دينارا فقال له:
إني أشترى منك الكر بتسعين دينارا. فقال له إني إنما ساومتك بثلاثة و ستين دينارا و إني لا أبيعه إلا بذلك، فقال الرجل: أنا أشترى منك بتسعين دينارا. فقال لا أبيعك هو إلا بما ساومتك عليه.
فقال له الرجل: إن من النصح أن لا أشترى منك إلا بتسعين دينارا. و ذهب فلم يشتر منه.
و جاءت امرأة يوما إلى سرى فقالت: إن ابني قد أخذه الحرسي و إني أحب أن تبعث إلى صاحب الشرطة لئلا يضرب، فقام فصلى فطول الصلاة و جعلت المرأة تحترق في نفسها، فلما انصرف من الصلاة قالت المرأة اللَّه اللَّه في ولدى. فقال لها: إني إنما كنت في حاجتك. فما رام مجلسه الّذي صلى فيه حتى جاءت امرأة إلى تلك المرأة فقالت لها: ابشرى فقد أطلق ولدك و ها هو في المنزل. فانصرفت إليه. و قال سرى: أشتهى أن آكل أكلة ليس للَّه فيها على تبعة، و لا لأحد على فيها منة. فما أجد إلى ذلك سبيلا. و في رواية عنه أنه قال: إني لأشتهي البقل من ثلاثين سنة فما أقدر عليه. و قال:
احترق سوقنا فقصدت المكان الّذي فيه دكاني فتلقاني رجل فقال: ابشر فان دكانك قد سلمت.
فقلت: الحمد للَّه. ثم ذكرت ذلك التحميد إذا حمدت اللَّه على سلامة دنياي و إني لم أواس الناس فيما