البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٨ - ثم دخلت سنة عشرين و ثلاثمائة من الهجرة
يحيى بن عبد اللَّه بن موسى أبو زكريا الفارسي، كتب بمصر عن الربيع بن سليمان، و كان ثقة عدلا صدوقا عند الحكام.
ثم دخلت سنة عشرين و ثلاثمائة من الهجرة
فيها كان مقتل المقتدر باللَّه الخليفة، و كان سبب ذلك أن مؤنسا الخادم خرج من بغداد في المحرم منها مغاضبا الخليفة في مماليكه و حشمه، متوجها نحو الموصل، ورد من أثناء الطريق مولاه يسرى إلى المقتدر ليستعلم له أمره، و بعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين و يعاتبه في أشياء. فلما وصل أمر الوزير- و هو الحسين بن القاسم و كان من أكبر أعداء مؤنس- بأن يؤديها فامتنع من أدائها إلا إلى الخليفة، فأحضره بين يديه و أمره بأن يقولها للوزير فامتنع، و قال: ما أمرنى بهذا صاحبي.
فشتمه الوزير و شتم صاحبه مؤنسا، و أمر بضربه و مصادرته بثلاثمائة الف دينار، و أخذ خطبه بها، و أمر بنهب داره، ثم أمر الوزير بالقبض على أقطاع مؤنس و أملاكه و أملاك من معه. فحصل من ذلك مال عظيم، و ارتفع أمر الوزير عند المقتدر، و لقبه عميد الدولة، و ضرب اسمه على الدراهم و الدنانير، و تمكن من الأمور جدا، فعزل و ولى، و قطع و وصل أياما يسيره، و فرح بنفسه حينا قليلا. و أرسل الى هارون بن عريب في الحال، و إلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحضرة عوضا عن مؤنس، فصمم المظفر مؤنس في سيره فدخل الموصل، و جعل يقول لأمراء الأعراب: إن الخليفة قد ولاني الموصل و ديار ربيعة. فالتف عليه منهم خلق كثير، و جعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة و له إليهم قبل ذلك أيادي سابغة. و قد كتب الوزير إلى آل حمدان- و هم ولاة الموصل و تلك النواحي- يأمرهم بمحاربته، فركبوا إليه في ثلاثين ألفا، و واجههم مؤنس في ثمانمائة من ممالكيه و خدمه فهزمهم و لم يقتل منهم سوى رجل واحد، يقال له داود، و كان من أشجعهم، و قد كان مؤنس رباه و هو صغير. و دخل مؤنس الموصل فقصدته العساكر من كل جانب يدخلون في طاعته، لإحسانه إليهم قبل ذلك. من بغداد و الشام و مصر و الأعراب، حتى صار في حجافل من الجنود. و أما الوزير المذكور فإنه ظهرت خيانته و عجزه فعزله المقتدر في ربيع الآخر منها، و ولى مكانه الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، و كان آخر وزراء المقتدر. و أقام مؤنس بالموصل تسعة أشهر، ثم ركب في الجيوش في شوال قاصدا بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد و إنصافهم، فسار- و قد بعث بين يديه الطلائع- حتى جاء فنزل بباب الشماسية ببغداد، و قابله عنده ابن ياقوت و هارون بن عريب عن كره منه. و أشير على الخليفة أن يستدين من والدته مالا ينفقه في الأجناد، فقال: لم يبق عندها شيء، و عزم، الخليفة على الهرب إلى واسط، و أن يترك بغداد إلى مؤنس حتى يتراجع أمر الناس ثم يعود إليها. فرده عن ذلك ابن ياقوت و أشار بمواجهته لمؤنس و أصحابه، فإنهم متى رأوا الخليفة هربوا كلهم إليه و تركوا