البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٠ - ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و ثلاثمائة
هذا الشاعر بهذه السنة، و وفاة الاصطخرى بما تقدم. و قد جمع الشريف الرضى أشعاره الجيدة على حدة في ديوان مفرد و رثاه حين توفى هو و غيره من الشعراء:
عبد العزيز بن أحمد بن الحسن الجزري
القاضي بالحرم و حريم دار الخلافة و غير ذلك من الجهات، كان ظاهريا على مذهب داود، و كان لطيفا، تحاكم إليه وكيلان فبكى أحدهما في أثناء الخصومة فقال له القاضي: أرنى وكالتك، فناوله فقرأها ثم قال له: لم يجعل إليك أن تبكى عنه. فاستضحك الناس و نهض الوكيل خجلا.
عيسى بن الوزير على بن عيسى
ابن داود بن الجراح، أبو القاسم البغدادي، و كان أبوه من كبار الوزراء، و كتب هو للطائع أيضا، و سمع الحديث الكثير، و كان صحيح السماع كثير العلوم، و كان عارفا بالمنطق و علم الأوائل فانتهموه بشيء من مذهب الفلاسفة، و من جيد شعره قوله:
رب ميت قد صار بالعلم حيا* * * و مبقّى قد مات جهلا و غيا
فاقتنوا العلم كي تنالوا خلودا* * * لا تعدوا الحياة في الجهل شيئا
ولد في سنة ثنتين و ثلاثمائة و توفى في هذه السنة عن تسع و ثمانين سنة، و دفن في داره ببغداد.
ثم دخلت سنة ثنتين و تسعين و ثلاثمائة
في محرمها غزا يمين الدولة محمود بن سبكتكين بلاد الهند فقصده ملكها جيبال في جيش عظيم فاقتتلوا قتالا شديدا، ففتح اللَّه على المسلمين، و انهزمت الهنود، و أسر ملكهم جيبال، و أخذوا من عنقه قلادة قيمتها ثمانون [١] ألف دينار، و غنم المسلمون منهم أموالا عظيمة، و فتحوا بلادا كثيرة، ثم إن محمودا سلطان المسلمين أطلق ملك الهند احتقارا له و استهانة به، ليراه أهل مملكته و الناس في المذلة فحين وصل جيبال إلى بلاده ألقى نفسه في النار التي يعبدونها من دون اللَّه فاحترق، لعنه اللَّه. و في ربيع الأول منها ثارت العوام على النصارى ببغداد فنهبوا كنيستهم التي بقطيعة الدقيق و أحرقوها، فسقطت على خلق فماتوا، و فيهم جماعة من المسلمين رجال و نساء و صبيان. و في رمضان منها قوى أمر العيارين و كثرت العملات و نهبت بغداد و انتشرت الفتنة. قال ابن الجوزي: و في ليلة الإثنين منها ثالث القعدة انقض كوكب أضاء كضوء القمر ليلة التمام، و مضى الشعاع و بقي جرمه يتموج نحو ذراعين في ذراعين في رأى العين ثم توارى بعد ساعة. و في هذا الشهر قدم الحجاج من خراسان إلى بغداد ليسيروا إلى الحجاز فبلغهم عيث الأعراب في الأرض بالفساد، و أنه لا ناصر لهم و لا ناظر ينظر في أمرهم، فرجعوا إلى بلادهم، و لم يحج من بلاد المشرق أحد في هذه السنة. و في يوم عرفة منها ولد لبهاء
[١] قال ابن الأثير: قوموها بمائتي ألف دينار.