البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - سيف الدولة
مدت إليك يد الردى* * * و أخذت من بين الرتب
و لما مات قام بالأمر بعده ولده عز الدولة فأقبل على اللعب و اللهو و الاشتغال بأمر النساء فتفرق شمله و اختلفت الكلمة عليه، و طمع الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان في ملك بنى بويه، و أرسل الجيوش الكثيرة صحبة وشمكير، فلما علم بذلك ركن الدولة بن بويه أرسل إلى ابنه عضد الدولة و ابن أخيه عز الدولة يستنجدهما، فأرسلا إليه بجنود كثيرة، فركب فيها ركن الدولة و بعث إليه وشمكير يتهدده و يتوعده، و يقول لئن قدرت عليك لأفعلن بك و لأفعلن، فبعث إليه ركن الدولة يقول: لكنى إن قدرت عليك لأحسنن إليك و لأصفحن عنك. فكانت الغلبة لهذا، فدفع اللَّه عنه شره، و ذلك أن وشمكير ركب فرسا صعبا يتصيد عليها فحمل عليه خنزير فنفرت منه الفرس فألقته على الأرض فخرج الدم من أذنيه فمات من ساعته و تفرقت العساكر. و بعث ابن وشمكير يطلب الأمان من ركن الدولة فأرسل إليه بالمال و الرجال، و وفى بما قال من الإحسان، و صرف اللَّه عنه كيد السامانية، و ذلك بصدق النية و حسن الطوية و اللَّه أعلم.
و ممن توفى فيها من الأعيان
أبو الفرج الأصبهاني
صاحب كتاب الأغاني. و اسمه على بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم الأموي، صاحب كتاب الأغاني و كتاب أيام العرب، ذكر فيه ألفا و سبعمائة يوم من أيامهم، و كان شاعرا أديبا كاتبا، عالما بأخبار الناس و أيامهم، و كان فيه تشيع. قال ابن الجوزي: و مثله لا يوثق به، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب العشق و يهون شرب الخمر، و ربما حكى ذلك عن نفسه، و من تأمل كتاب الأغاني رأى فيه كل قبيح و منكر، و قد روى الحديث عن محمد بن عبد اللَّه بن بطين و خلق، و روى عنه الدار قطنى و غيره، توفى في ذي الحجة من هذه السنة، و كان مولده في سنة أربع و ثمانين و مائتين، التي توفى فيها البحتري الشاعر، و قد ذكر له ابن خلكان مصنفات عديدة منها الأغاني و المزارات و أيام العرب. و فيها توفى.
سيف الدولة
أحد الأمراء الشجعان، و الملوك الكثيري الإحسان، على ما كان فيه من تشيع، و قد ملك دمشق في بعض السنين، و اتفق له القفصي غريبة، منها أن خطيبه كان مصنف الخطب النباتية أحد الفصحاء البلغاء. و منها أن شاعره كان المتنبي، و منها أن مطر به كان أبو نصر الفارابيّ. و كان سيف الدولة كريما جوادا معطيا للجزيل. و من شعره في أخيه ناصر الدولة صاحب الموصل:
رضيت لك العليا، و قد كنت أهلها* * * و قلت لهم: بيني و بينأخى فرق
و ما كان لي عنها نكول، و إنما* * * تجاوزت عن حقي فتم لك السبق