البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٢ - ثم دخلت سنة خمس و أربعمائة
لئن ضاق عنى عفوك الواسع الّذي* * * أرجى لاسرافى فانى تالف
ثم دخلت سنة أربع و أربعمائة
في يوم الخميس غرة ربيع الأول منها جلس الخليفة القادر في أبهة الخلافة و أحضر بين يديه سلطان الدولة و الحجبة، فخلع عليه سبع خلع على العادة، و عممه بعمامة سوداء، و قلد سيفا و تاجا مرصعا، و سوارين و طوقا، و عقد له لواءين بيده، ثم أعطاه سيفا و قال للخادم: قلده به، فهو شرف له و لعقبه، يفتح شرق الأرض و غربها، و كان ذلك يوما مشهودا، حضره القضاة و الأمراء و الوزراء.
و فيها غزا محمود بن سبكتكين بلاد الهند ففتح و قتل و سبى و غنم، و سلم، و كتب إلى الخليفة أن يوليه ما بيده من مملكة خراسان و غيرها من البلاد، فأجابه إلى ما سأل. و فيها عاثت بنو خفاجة ببلاد الكوفة فبرز إليهم نائبها أبو الحسن بن مزيد فقتل منهم خلقا و أسر محمد بن يمان و جماعة من رءوسهم، و انهزم الباقون، فأرسل اللَّه عليهم ريحا حارة فأهلك منهم خمسمائة إنسان. و حج بالناس أبو الحسن محمد بن الحسن الأفساسى.
و فيها توفى من الأعيان
الحسن بن أحمد
ابن جعفر بن عبد اللَّه المعروف بابن البغدادي، سمع الحديث، و كان زاهدا عابدا كثير المجاهدة، لا ينام إلا عن غلبة، و كان لا يدخل الحمام و لا يغسل ثيابه إلا بماء، و جده الحسين بن عثمان بن على أبو عبد اللَّه المقري الضرير المجاهدي، قرأ على ابن مجاهد القرآن و هو صغير، و كان آخر من بقي من أصحابه، توفى في جمادى الأولى منها، و قد جاوز المائة سنة، و دفن في مقابر الزرادين.
على بن سعيد الاصطخرى
أحد شيوخ المعتزلة، صنف للقادر باللَّه الرد على الباطنية فأجرى عليه جراية سنية، و كان يسكن درب رباح، توفى في شوال و قد جاوز الثمانين.
ثم دخلت سنة خمس و أربعمائة
فيها منع الحاكم صاحب مصر النساء من الخروج من منازلهم، أو أن يطلعن من الأسطحة أو من الطاقات، و منع الخفافين من عمل الخفاف لهن، و منعهن من الخروج إلى الحمامات، و قتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، و عدم بعض الحمامات عليهنّ، و جهز نساء عجائز كثيرة يستعلمن أحوال النساء لمن يعشقن أو يعشقهن، بأسمائهن و أسماء من يتعرض لهن، فمن وجد منهن كذلك أطفأها و أهلكها، ثم إنه أكثر من الدوران بنفسه ليلا و نهارا في البلد، في طلب ذلك، و غرق خلقا من الرجال و النساء و الصبيان ممن يطلع على فسقهم، فضاق الحال و اشتد على النساء، و على الفساق ذلك، و لم يتمكن أحد منهن أن يصل إلى أحد إلا نادرا، حتى أن امرأة كانت عاشقة لرجل عشقا قويا كادت أن تهلك بسببه، لما حيل بينهما و بينه، فوقفت لقاضى القضاة و هو مالك بن سعد الفارقيّ و حلفته بحق