البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٤ - أبو صالح مفلح الحنبلي
و أضيف إليه قضاء فارس و أعمالها، ثم استعفى من ذلك كله و لزم منزله، و اقتصر على إسماع الحديث و سماعه. توفى في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس و تسعين سنة. و قد تناظر هو و بعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر فجعل الشيعي يذكر مواقف على يوم بدر و أحد و الخندق و خيبر و حنين و شجاعته. ثم قال للمحاملى: أ تعرفها؟ قال: نعم، و لكن أ تعرف أنت أين كان الصديق يوم بدر؟
كان مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في العريش بمنزلة الرئيس الّذي يحامى عنه، و على رضى اللَّه عنه في المبارزة، و لو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخزل الجيش بسببه. فأفحم الشيعي. و قال المحاملي و قد قدمه الذين رووا لنا الصلاة و الزكاة و الوضوء بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقدموه عليه حيث لا مال له و لا عبيد و لا عشيرة و قد كان أبو بكر يمنع عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و يجاحف عنه، و إنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم. فأفحمه أيضا.
على بن محمد بن سهل
أبو الحسن الصائغ، أحد الزهاد العباد أصحاب الكرامات. روى عن ممشاد الدينَوَريّ أنه شاهد أبا الحسن هذا يصلى في الصحراء في شدة الحر و نسر قد نشر عليه جناحه يظله من الحر.
قال ابن الأثير: و فيها توفى أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري المتكلم المشهور، و كان مولده سنة ستين و مائتين، و هو من ولد أبى موسى الأشعري. قلت: الصحيح أن الأشعري توفى سنة أربع و عشرين و مائتين كما تقدم ذكره هناك. قال: و فيها توفى محمد بن يوسف بن النضر الهروي الفقيه الشافعيّ، و كان مولده سنة تسع و عشرين و مائتين، أخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعيّ.
قلت: و قد توفى فيها أبو حامد بن بلال. و زكريا بن أحمد البلخي. و عبد الغافر بن سلامة الحافظ، و محمد بن رائق الأمير ببغداد. و فيها توفى الشيخ:
أبو صالح مفلح الحنبلي
واقف مسجد أبى صالح ظاهر باب شرقى من دمشق، و كانت له كرامات و أحوال و مقامات، و اسمه مفلح بن عبد اللَّه أبو صالح المتعبد، الّذي ينسب إليه المسجد خارج باب شرقى من دمشق، صحب الشيخ أبا بكر بن سعيد حمدونة الدمشقيّ، و تأدب به، و روى عنه الموحد بن إسحاق بن البري، و أبو الحسن على بن العجة قيم المسجد، و أبو بكر بن داود الدينَوَريّ الدقى. روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقى عن الشيخ أبى صالح. قال: كنت أطوف بجبل لكام أطلب العباد فمررت برجل و هو جالس على صخرة مطرق رأسه فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: انظر و أرعى. فقلت له: لا أرى بين يديك شيئا تنظر إليه و لا ترعاه إلا هذه العصاة و الحجارة. فقال: بل انظر خواطر قلبي و أرعى أوامر ربى، و بالذي أطلعك على إلا صرفت بصرك عنى. فقلت له: نعم و لكن عظني بشيء أنتفع به حتى أمضى عنك. فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم، و من أكثر ذكر الموت أكثر الندم