البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - ثم دخلت سنة ست عشرة و ثلاثمائة
غير ما بقي عنده من الذهب و الفضة المصكوكة. فقلت له: إن هذا أمر لا يشاركك فيه أحد من النجار ببغداد، مع مالك من الوجاهة عند الدولة و الناس. قال: فسرى عنه و تسلى عما فات و أكل- و كان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا- و لما خلص في مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيدة فيه حكى عن نفسه قال:
نظرت في دار الخلافة إلى مائة خيشه، فيها متاع رث مما حمل إلى من مصر، و هو عندهم في دار مضيعة و كان لي في حمل منها ألف دينار موضوعة في مصر لا يشعر بها أحد، فاستوهبت ذلك من أم المقتدر فكلمت في ذلك ولدها فأطلقه إلى فتسلمته فإذا الذهب لم ينقص منه شيء و قد كان ابن الجصاص مع ذلك مغفلا شديد التغفل في كلامه و أفعاله، و قد ذكر عنه أشياء تدل على ذلك، و قيل إنه إنما كان يظهر ذلك قصدا ليقال إنه مغفل، و قيل إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط و الدعابة و اللَّه سبحانه أعلم.
و فيها توفى عبد اللَّه بن محمد القزويني. و
على بن سليمان بن المفضل
أبو الحسن الأخفش، روى عن المبرد و ثعلب و اليزيدي و غيرهم، و عنه الروياني و المعافى و غيرهما.
و كان ثقة في نقله، فقيرا في ذات يده، توصل إلى أبى على بن مقلة حتى كلم فيه الوزير على بن عيسى في أن يرتب له شيئا فلم يجبه إلى ذلك، و ضاق به الحال حتى كان يأكل اللفت النيء فمات فجأة من كثرة أكله في شعبان منها. و هذا هو الأخفش الصغير، و الأوسط و هو سعيد بن مسعدة تلميذ سيبويه. و أما الكبير فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، من أهل هجر، و هو شيخ سيبويه و أبى عبيد و غيرهما. و قيل إن أبا بكر محمد بن السري السراج النحويّ صاحب الأصول في النحو فيها مات. قاله ابن الأثير. و محمد بن المسيب الأرغياني.
ثم دخلت سنة ست عشرة و ثلاثمائة
فيها عاث أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي القرمطى في الأرض فسادا، حاصر الرحبة فدخلها قهرا و قتل من أهلها خلقا، و طلب منه أهل قرقيسيا الأمان فأمنهم، و بعث سراياه إلى ما حولها من الأعراب فقتل منهم خلقا، حتى صار الناس إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه، و قدر على الاعراب إمارة يحملونها إلى هجر في كل سنة، عن كل رأس ديناران. و عاث في نواحي الموصل فسادا، و في سنجار و نواحيها، و خرب تلك الديار و قتل و سلب و نهب. فقصده مؤنس الخادم فلم يتواجها بل رجع إلى بلده هجر فابتنى بها دارا سماها دار الهجرة، و دعا إلى المهدي الّذي ببلاد المغرب بمدينة المهدية. و تفاهم أمره و كثرت أتباعه فصاروا يكبسون القرية من أرض السواد فيقتلون أهلها و ينهبون أموالها، و رام في نفسه دخول الكوفة و أخذها فلم يطق ذلك. و لما رأى الوزير على