البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٣ - ذكر ابتداء أمر بنى بويه و ظهور دولتهم في هذه السنة
القاهر بأن يجعل أبو أحمد المكتفي بين حائطين و يسد عليه بالآجر و الكلس، و هو حي، فمات.
و أرسل منادى على المختفين: إن من أخفاهم قتل و خربت داره. فوقع بعلي بن بليق فذبح بين يديه كما تذبح الشاة، فأخذ رأسه في طست و دخل به القاهر على أبيه بليق بنفسه، فوضع رأس ابنه بين يديه، فلما رآه بكى و أخذ يقبله و يترشفه، فأمر بذبحه أيضا فذبح، ثم أخذ الرأسين في طستين فدخل بهما على مؤنس الخام، فلما رآهما تشهد و لعن قاتلهما، فقال القاهر: جروا برجل الكلب، فأخذ فذبح أيضا و أخذ رأسه فوضع في طست و طيف بالرءوس في بغداد، و نودي عليهم: هذا جزاء من يخون الامام و يسعى في الدولة فسادا. ثم أعيدت الرءوس إلى خزائن السلاح. و في ذي القعدة منها قبض القاهر على الوزير أبى جعفر محمد بن القاسم و سجنه، و كان مريضا بالقولنج، فبقي ثمانية عشر يوما و مات و كانت وزارته ثلاثة أشهر و اثنى عشر يوما. و استوزر مكانه أبا العباس أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان الخصيبى، ثم قبض على طريف اليشكري الّذي تعاون على مؤنس و ابن بليق و سجنه، و لهذا قيل:
من أعان ظالما سلطه اللَّه عليه. فلم يزل اليشكري في الحبس حتى خلع القاهر. و فيها جاء الخبر بموت العامل بديار مصر، و أن ابنه محمدا قد قام مقامه فيها، و سارت الخلع إليه من القاهر بتنفيذ الولاية و استقراره.
ذكر ابتداء أمر بنى بويه و ظهور دولتهم في هذه السنة
و هم ثلاثة إخوة: عماد الدولة أبو الحسن على، و ركن الدولة أبو على الحسن، و معز الدولة أبو الحسين أحمد أولاد أبى شجاع بويه بن قباخسرو بن تمام بن كوهى بن شيرزيل الأصغر بن شيركيده ابن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرويه بن سيسان شاه بن سيس بن فيروز بن شيرزيل بن سيسان بن بهرام جور الملك بن يزد جرد الملك بن سابور الملك بن سابورذى الأكتاف الفارسي.
كذا نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتابه. و إنما قيل لهم الديالمة لأنهم جاوروا الديلم، و كانوا بين أظهرهم مدة، و قد كان أبوهم أبو شجاع بويه فقيرا مدقعا، يصطاد السمك و يحتطب بنوه الحطب على رءوسهم، و قد ماتت امرأته و خلفت له هؤلاء الأولاد الثلاثة، فحزن عليها و عليهم، فبينما هو يوما عند بعض أصحابه و هو شهريار بن رستم الديلميّ، إذ مر منجم فاستدعاه فقال له: إني رأيت مناما غريبا أحب أن تفسره لي: رأيت كأنى أبول فخرج من ذكرى نار عظيمة حتى كادت تبلغ عنان السماء ثم انفرقت ثلاث شعب ثم انتشرت كل شعبة حتى صارت شعبا كثيرة، فأضاءت الدنيا بتلك النار، و رأيت البلاد و العباد قد خضعت لهذه النار. فقال له المنجم: هذا منام عظيم لا أفسره لك إلا بمال جزيل. فقال: و اللَّه لا شيء عندي أعطيك، و لا أملك إلا فرسي هذه. فقال: هذا يدل على أنه يملك من صلبك ثلاثة ملوك، ثم يكون من سلالة كل واحد منهم ملوك عدة. فقال له: ويحك أ تسخر بي؟ و أمر بنيه فصفعوه ثم أعطاه عشرة دراهم. فقال لهم المنجم: اذكروا هذا إذا قدمت عليكم