البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - ثم دخلت سنة ثلاثين و ثلاثمائة
في البر و في دجلة، و تفاقم الحال جدا، مع ما الناس فيه من الغلاء و الوباء و الفناء. ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ثم إن الخليفة و ابن رائق انهزما في جمادى الآخرة- و مع الخليفة ابنه منصور- في عشرين فارسا، فقصدوا نحو الموصل، و استحوذ أبو الحسين على دار الخلافة و قتل من وجد فيها من الحاشية، و نهبوها حتى وصل النهب إلى الحريم، و لم يتعرضوا للقاهر و هو إذ ذاك أعمى مكفوفا، و أخرجوا كورتكين من الحبس، فبعثه أبو الحسين إلى البريدي، فكان آخر العهد به، و نهبوا بغداد جهارا علانية، و نزل أبو الحسين بدار مؤنس الخادم التي كان يسكنها ابن رائق، و كانوا يكبسون الدور و يأخذون ما فيها من الأموال، فكثر الجور و غلت الأسعار جدا، و ضرب أبو الحسين المكس على الحنطة و الشعير، و ذاق أهل بغداد لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون. و كان معه طائفة كبيرة من القرامطة فأفسدوا في البلد فسادا عظيما، و وقع بينهم و بين الأتراك حروب طويلة شديدة، فغلبهم الترك و أخرجوهم من بغداد، فوقعت الحرب بين العامة و الديلم جند أبى الحسين. و في شعبان منها اشتد الحال أيضا و نهبت المساكن و كبس أهلها ليلا و نهارا، و خرج جند البريدي فنهبوا الغلات من القرى و الحيوانات، و جرى ظلم لم يسمع بمثله. قال ابن الأثير: و إنما ذكرنا هذا ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل و تبقى بعدهم على وجه الأرض و في الكتب، ليذكروا بها و يذموا و يعابوا، ذلك لهم خزي في الدنيا و أمرهم إلى اللَّه لعلهم أن يتركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه للَّه. و قد كان الخليفة أرسل و هو ببغداد إلى ناصر الدولة بن حمدان نائب الموصل يستمده و يستحثه على البريدي، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة عليا في جيش كثيف، فلما كان بتكريت إذا الخليفة و ابن رائق قد هربا فرجع معهما سيف الدولة إلى أخيه، و خدم سيف الدولة الخليفة خدمة كثيرة. و لما صلوا إلى الموصل خرج عنها ناصر الدولة فنزل شرقها، و أرسل التحف و الضيافات، و لم يجئ إلى الخليفة خوفا من الغائلة من جهة ابن رائق، فأرسل الخليفة ولده أبا منصور و معه ابن رائق للسلام على ناصر الدولة، فصارا إليه فأمر ناصر الدولة أن ينثر الذهب و الفضة على رأس ولد الخليفة، و جلسا عنده ساعة، ثم قاما و رجعا، فركب ابن الخليفة و أراد ابن رائق أن يركب معه، فقال له ناصر الدولة: اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا، فاعتذر إليه بابن الخليفة و استراب بالأمر و خشي، فقبض ابن حمدان بكمه فجبذه ابن رائق منه فانقطع كمه، و ركب سريعا فسقط عن فرسه فأمر ناصر الدولة بقتله فقتل، و ذلك يوم الاثنين لسبع بقين من رجب منها. فأرسل الخليفة إلى ابن حمدان فاستحضره و خلع عليه و لقبه ناصر الدولة يومئذ، و جعله أمير الأمراء، و خلع على أخيه أبى الحسن و لقبه سيف الدولة يومئذ، و لما قتل ابن رائق و بلغ خبر مقتله إلى صاحب مصر الإخشيد محمد بن طغج ركب إلى دمشق فتسلمها من محمد بن يزداد نائب ابن رائق و لم ينتطح فيها عنزان. و لما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق