البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٣ - الجنيد بن محمد بن الجنيد
ابن أبى على، قال الشيخ أبو على: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراونديّ فلم أجد فيه إلا السفه و الكذب و الافتراء، قال: و قد وضع كتابا في قدم العالم و نفى الصانع و تصحيح مذهب الدهرية و الرد على أهل التوحيد، و وضع كتابا في الرد على محمد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سبعة عشر موضعا، و نسبه إلى الكذب- يعنى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- و طعن على القرآن، و وضع كتابا لليهود و النصارى و فضل دينهم على المسلمين و الإسلام، و يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الإسلام. نقل ذلك ابن الجوزي عنه. و قد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه و زندقته و طعنه على الآيات و الشريعة. ورد عليه في ذلك، و هو أقل و أخس و أذل من أن يلتفت إليه و إلى جهله و كلامه و هذيانه و سفهه و تمويهه. و قد أسند إليه حكايات من المسخرة و الاستهتار و الكفر و الكبائر، منها ما هو صحيح عنه و منها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، و على طريقه و مسلكه في الكفر و التستر في المسخرة، يخرجونها في قوالب مسخرة و قلوبهم مشحونة بالكفر و الزندقة، و هذا كثير موجود فيمن يدعى الإسلام و هو منافق، يتمسخرون بالرسول و دينه و كتابه، و هؤلاء ممن قال اللَّه تعالى فيهم (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ، قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) الآية.
و قد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراونديّ قبحهما اللَّه، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات. و أما ابن الراونديّ فهرب فلجأ إلى ابن لاوى اليهودي، و صنف له في مدة مقامه عنده كتابه الّذي سماه «الدامغ للقرآن» فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه اللَّه. و يقال: إنه أخذ و صلب. قال أبو الوفاء بن عقيل: و رأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا و ثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي في هذا العمر القصير لعنه اللَّه و قبحه و لا رحم عظامه.
و قد ذكره ابن خلكان في الوفيات و قلس عليه و لم يخرجه بشيء، و لا كأن الكلب أكل له عجينا، على عادته في العلماء و الشعراء، فالشعراء يطيل تراجمهم، و العلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة، و الزنادقة يترك ذكر زندقتهم. و أرخ ابن خلكان تاريخ وفاته في سنة خمس و أربعين و مائتين، و قد و هم و هما فاحشا، و الصحيح أنه توفى في هذه السنة كما أرخه ابن الجوزي و غيره.
و فيها توفى.
الجنيد بن محمد بن الجنيد
أبو القاسم الخزاز، و يقال له القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد و نشأ بها. و سمع الحديث من الحسين بن عرفة. و تفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، و كان يفتى بحضرته و عمره عشرون سنة، و قد ذكرناه في طبقات الشافعية، و اشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، و خاله سرى السقطي،