البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٠ - القاضي أبو بكر الباقلاني
و كان بخيلا جدا، توفى بأرجان في جمادى الآخرة منها عن ثنتين و أربعين سنة و ثلاثة أشهر، و كان مرضه بالصرع، و دفن بالمشهد إلى جانب أبيه.
قابوس بن وشمكير
كان أهل دولته قد تغيروا عليه فبايعوا ابنه منوجهر و قتلوه كما ذكرنا، و كان قد نظر في النجوم فرأى أن ولده يقتله، و كان يتوهم أنه ولده دارا، لما يرى من مخالفته له، و لا يخطر بباله منوجهر لما يرى من طاعته له، فكان هلاكه على يد منوجهر، و قد قدمنا شيئا من شعره في الحوادث.
القاضي أبو بكر الباقلاني
محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني، رأس المتكلمين على مذهب الشافعيّ، و هو من أكثر الناس كلاما و تصنيفا في الكلام، يقال إنه كان لا ينام كل ليلة حتى يكتب عشرين ورقة من مدة طويلة من عمره، فانتشرت عنه تصانيف كثيرة، منها التبصرة، و دقائق الحقائق، و التمهيد في أصول الفقه، و شرح الابانة، و غير ذلك من المجاميع الكبار و الصغار، و من أحسنها كتابه في الرد على الباطنية، الّذي سماه كشف الأسرار و هتك الأستار، و قد اختلفوا في مذهبه في الفروع: فقيل شافعيّ و قيل مالكي، حكى ذلك عنه أبو ذر الهروي، و قيل إنه كان يكتب على الفتاوى: كتبه محمد بن الطيب الحنبلي، و هذا غريب جدا، و قد كان في غاية الذكاء و الفطنة، ذكر الخطيب و غيره عنه أن عضد الدولة بعثه في رسالة إلى ملك الروم، فلما انتهى إليه إذ هو لا يدخل عليه أحد إلا من باب قصير كهيئة الراكع، ففهم الباقلاني أن مراده أن ينحنى الداخل عليه له كهيئة الراكع للَّه عز و جل، فدار استه إلى الملك و دخل الباب بظهره يمشى إليه القهقرى، فلما وصل إليه انفتل فسلم عليه، فعرف الملك ذكاءه و مكانه من العلم و الفهم، فعظمه. و يقال إن الملك أحضر بين يديه آلة الطرب المسماة بالأرغل، ليستفز عقله بها، فلما سمعها الباقلاني خاف على نفسه أن يظهر منه حركة ناقصة بحضرة الملك، فجعل لا يألو جهدا أن جرح رجله حتى خرج منها الدم الكثير، فاشتغل بالألم عن الطرب، و لم يظهر عليه شيء من النقص و الخفة، فعجب الملك من ذلك، ثم إن الملك استكشف الأمر فإذا هو قد جرح نفسه بما أشغله عن الطرب، فتحقق الملك و فور همته و علو عزيمته، فأن هذه الآلة لا يسمعها أحد إلا طرب شاء أم أبى. و قد سأله بعض الأساقفة بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم؟
و ما كان من أمرها بما رميت به من الافك؟ فقال الباقلاني مجيبا له على البديهة: هما امرأتان ذكرنا بسوء: مريم و عائشة، فبرأهما اللَّه عز و جل، و كانت عائشة ذات زوج و لم تأت بولد، و أتت مريم بولد و لم يكن لها زوج- يعنى أن عائشة أولى بالبراءة من مريم- و كلاهما بريئة مما قيل فيها، فان تطرق في الذهن الفاسد احتمال ريبة إلى هذه فهو إلى تلك أسرع، و هما بحمد اللَّه منزهتان مبرأتان من السماء بوحي اللَّه عز و جل، عليهما السلام.