البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٧ - ثم دخلت سنة ست و تسعين و مائتين
عبد اللَّه بن الحسن بن أحمد بن أبى شعيب و اسم أبى شعيب عبد اللَّه بن مسلم أبو شعيب الأموي الحراني المؤدب المحدث ابن المحدث. ولد سنة ست و ثمانين و مائتين، سمع أباه و جده و عفان بن مسلم و أبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا. توفى في ذي الحجة منها على بن أحمد المكتفي باللَّه تقدم ذكره. أبو جعفر الترمذي محمد بن محمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعيّ، كان من أهل العلم و الزهد، و وثقه الدار قطنى، كان مأمونا ناسكا، و قال القاضي أحمد ابن كامل: لم يكن لأصحاب الشافعيّ بالعراق أرأس منه، و لا أورع: كان متقللا في المطعم على حالة عظيمة فقرا و ورعا و صبرا، و كان ينفق في كل شهر أربعة دراهم، و كان لا يسأل أحدا شيئا، و كان قد اختلط في آخر عمره. توفى المحرم منها.
ثم دخلت سنة ست و تسعين و مائتين
في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القواد و الجند و الأمراء على خلع المقتدر و تولية عبد اللَّه ابن المعتز الخلافة، فأجابهم على أنه لا يسفك بسببه دم، و كان المقتدر قد خرج يلعب بالصولجان فقصد إليه الحسن بن حمدان يريد أن يفتك به، فلما سمع المقتدر الصيحة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش، و اجتمع الأمراء و الأعيان و القضاة في دار المخرمي فبايعوا عبد اللَّه بن المعتز و خوطب بالخلافة، و لقب بالمرتضى باللَّه. و قال الصولي: إنما لقبوه المنتصف باللَّه، و استوزر أبا عبيد اللَّه محمد بن داود و بعث إلى المقتدر يأمره بالتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل إليها، فأجابه بالسمع و الطاعة، فركب الحسن بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلمها فقاتله الخدم و من فيها، و لم يسلموها إليه، و هزموه فلم يقدر على تخليص أهله و ماله إلا بالجهد. ثم ارتحل من فوره إلى الموصل و تفرق نظام ابن المعتز و جماعته، فأراد ابن المعتز أن يتحول إلى سامرا لينزلها فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل دار ابن الجصاص فاستجار به فأجاره، و وقع النهب في البلد و اختبط الناس و بعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم و قتل أكثرهم و أعاد ابن الفرات إلى الوزارة فجدد البيعة إلى المقتدر و أرسل إلى دار ابن الجصاص فتسلمها و أحضر ابن المعتز و ابن الجصاص فصادر ابن الجصاص بمال جزيل جدا، نحو ستة عشر ألف ألف درهم، ثم أطلقه و اعتقل ابن المعتز، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهر للناس موته و أخرجت جثته فسلمت إلى أهله فدفن، و صفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس.
قال ابن الجوزي: و لا يعرف خليفة خلع ثم أعيد إلا الأمين و المقتدر. و في يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو من أربعة أصابع و هذا غريب في بغداد جدا، و لم تخرج السنة، حتى خرج الناس يستسقون لأجل تأخر المطر عن إبانه.