البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - خلافة المستكفي باللَّه أبى القاسم عبد اللَّه بن المكتفي بن المعتضد
قد أرسل إلى الإخشيد محمد بن طغج صاحب مصر و البلاد الشامية أن يأتيه، فأقبل إليه في المنتصف من المحرم من هذه السنة، و خضع للخليفة غاية الخضوع، و كان يقوم بين يديه كما تقوم الغلمان، و يمشى و الخليفة راكب، ثم عرض عليه أن يصير معه إلى الديار المصرية أو يقوم ببلاد الشام، وليته فعل، بل أبى عليه، فأشار عليه بالمقام مكانه بالموصل، و لا يذهب إلى تورون، و حذره من مكر تورون و خديعته، فلم يقبل ذلك، و كذلك أشار عليه وزيره أبو حسين بن مقلة فلم يسمع. و أهدى ابن طغج للخليفة هدايا كثيرة فاخرة، و كذلك أهدى إلى الأمراء و الوزير، ثم رجع إلى بلاده، و اجتاز بحلب فانحاز عنها صاحبها أبو عبد اللَّه بن سعيد بن حمدان. و كان ابن مقاتل بها، فأرسله إلى مصر نائبا عنه حتى يعود إليها. و أما الخليفة فإنه ركب من الرقة في الدجلة إلى بغداد و أرسل إلى تورون فاستوثق منه ما كان حلف له من الأيمان فأكدها و قررها، فلما قرب من بغداد خرج إليه تورون و معه العساكر، فلما رأى الخليفة قبل الأرض بين يديه و أظهر له أنه قد وفى له بما كان حلف له عليه و أنزله في منظرته، ثم جاء فاحتاط على من مع الخليفة من الكبراء، و أمر بسمل عيني الخليفة فسملت عيناه، فصاح صيحة عظيمة سمعها الحريم فضجت الأصوات بالبكاء، فأمر تورون بضرب الدبادب حتى لا تسمع أصوات الحريم، ثم انحدر من فوره إلى بغداد فبايع المستكفي. فكانت خلافة المتقى ثلاثة سنين و خمسة أشهر و عشرين يوما، و قيل و أحد عشر شهرا. و ستأتي ترجمته عند ذكر وفاته.
خلافة المستكفي باللَّه أبى القاسم عبد اللَّه بن المكتفي بن المعتضد
لما رجع تورون إلى بغداد و قد سمل عيني المتقى استدعى بالمستكفي فبايعه و لقب بالمستكفي باللَّه و اسمه عبد اللَّه، و ذلك في العشر الأواخر من صفر من هذا السنة، و جلس تورون بين يديه و خلع عليه المستكفي، و كان المستكفي مليح الشكل ربعة حسن الجسم و الوجه، أبيض اللون مشربا حمرة أقنى الأنف خفيف العارضين، و كان عمره يوم بويع بالخلافة إحدى و أربعين سنة. و أحضر المتقى بين يديه و بايعه و أخذ منه البردة و القضيب، و استوزر أبا الفرج محمد بن على السامري، و لم يكن إليه من الأمر شيء، و إنما الّذي يتولى الأمور ابن شيرزاد، و حبس المتقى بالسجن. و طلب المستكفي أبا القاسم الفضل بن المقتدر، و هو الّذي ولى الخلافة بعد ذلك، و لقب المطيع للَّه، فاختفى منه و لم يظهر مدة خلافة المستكفي، فأمر المستكفي بهدم داره التي عند دجلة.
و فيها مات القائم الفاطمي و تولى ولده المنصور إسماعيل فكتم موت أبيه مدة حتى اتفق أمره ثم أظهره، و الصحيح أن القائم مات في التي بعدها. و قد حاربهم أبو يزيد الخارجي فيها، و أخذ منهم مدنا كبارا و كسروه مرارا، متعددة، ثم يبرز إليهم و يجمع الرجال و يقاتلهم، فانتدب المنصور هذا لقتاله بنفسه و جرت بينهم حروب يطول ذكرها، و قد بسطها ابن الأثير في كامله. و قد انهزم في