البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - صافى الحربي
و إن قلت: ما أذنبت، قالت مجيبة:* * * حياتك ذنب لا يقاس به ذنب
قال: فصعقت و صحت، فخرج صاحب الدار فقال: يا سيدي مالك؟ قلت: مما سمعت. قال:
هي هبة منى إليك. فقلت: قد قبلتها و هي حرة لوجه اللَّه. ثم زوجتها لرجل، فأولدها ولدا صالحا حج على قدميه ثلاثين حجة.
و فيها توفى: سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور أبو عثمان الواعظ
ولد بالري، و نشأ بها، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن مات بها، و قد دخل بغداد. و كان يقال إنه مجاب الدعوة. قال الخطيب: أخبرنا عبد الكريم بن هوازن قال سمعت أبا عثمان يقول:
منذ أربعين سنة ما أقامنى اللَّه في حالة فكرهتها، و لا نقلني إلى غيرها فسخطتها. و كان أبو عثمان ينشد:
أسأت و لم أحسن، و جئتك هاربا* * * و أين لعبد عن مواليه مهرب؟
يؤمل غفرانا، فان خاب ظنه* * * فما أحد منه على الأرض أخيب
و روى الخطيب أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك؟ فقال: إني لما ترعرعت و أنا بالري و كانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي و قرارى، و أنا أسألك بمقلب القلوب و أتوسل به إليك لما تزوجتنى. فقلت: أ لك والد؟ فقالت:
نعم. فأحضرته فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوت بها إذا هي عوراء عرجاء شوهاء مشوهة الخلق، فقلت: اللَّهمّ لك الحمد على ما قدرته لي، و كان أهل بيتي يلومونني على تزويجي بها، فكنت أريدها برا و إكراما، و ربما احتبستنى عندها و منعتني من الحضور إلى بعض المجالس، و كأنى كنت في بعض أوقاتي على الجمر و أنا لا أبدى لها من ذلك شيئا. فمكثت كذلك خمس عشرة سنة، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
و فيها توفى:
سمنون بن حمزة
و يقال ابن عبد اللَّه، أحد مشايخ الصوفية، كان ورده في كل يوم و ليلة خمسمائة ركعة، و سمى نفسه سمنونا الكذاب لقوله:
فليس لي في سواك حظ* * * فكيفما شئت فامتحنى
فابتلى بعسر البول فكان يطوف على المكاتب و يقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب، و له كلام متين في المحبة، و وسوس في آخر عمره، و له كلام في المحبة مستقيم.
و فيها توفى:
صافى الحربي
كان من أكابر أمراء الدولة العباسية. أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شيء، فلما مات حمل غلامه القاسم إلى الوزير مائة ألف دينار و سبعمائة و عشرين منطقة من الذهب مكللة، فاستمروا به على أمرته و منزلته.