البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - خلافة الراضي باللَّه أبى العباس محمد بن المقتدر باللَّه
جب هنالك فتضرعا إليه فلم يرحمهما، بل ألقيا فيها و طم عليهما.
ذكر خلع القاهر و سمل عينيه و عذابه
و كان سبب ذلك أن الوزير على بن مقلة كان قد هرب حين قبض على مؤنس كما تقدم، فاختفى في داره، و كان يراسل الجند و يكاتبهم و يغريهم بالقاهر، و يخوفهم سطوته و إقدامه و سرعة بطشه، و يخبرهم بأن القاهر قد أعد لأكابر الأمراء أماكن في دار الخلافة يسجنهم فيها، و مهالك يلقيهم فيها، كما فعل بفلان و فلان. فهيجهم ذلك على القبض على القاهر، فاجتمعوا و أجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه الساعة، فركبوا مع الأمير المعروف بسيما، و قصدوا دار الخلافة فأحاطوا بها، ثم هجموا عليه من سائر أبوابها و هو مخمور، فاختفى في سطح حمام فظهروا عليه فقبضوا عليه و حبسوه في مكان طريف اليشكري، و أخرجوا طريفا من السجن، و خرج الوزير الخصيبى مستترا في زي امرأة، فذهب.
و اضطربت بغداد و نهبت، و ذلك يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى فيها، في الشهر الّذي ماتت فيه شغب. فلم يكن بين موتها و القبض عليه و سمل عينيه و عذابه بأنواع العقوبات إلا مقدار سنة واحدة، و انتقم اللَّه منه. ثم أمروا بإحضاره، فلما حضر سملوا عينيه حتى سالتا على خديه، و ارتكب منه أمر عظيم لم يسمع مثله في الإسلام، ثم أرسلوه. و كان تارة يحبس و تارة يخلى سبيله.
و قد تأخر موته إلى سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة. و افتقر حتى قام يوما بجامع المنصور فسأل الناس فأعطاه رجل خمسمائة دينار. و يقال إنما أراد بسؤاله التشنيع عليهم. و سنذكر ترجمته إذا ذكرنا وفاته
خلافة الراضي باللَّه أبى العباس محمد بن المقتدر باللَّه
لما خلعت الجند القاهر و سملوا عينيه أحضروا أبا العباس محمد بن المقتدر باللَّه فبايعوه بالخلافة و لقبوه الراضي باللَّه. و قد أشار أبو بكر الصولي بأن يلقب بالمرضى باللَّه فلم يقبلوا. و ذلك يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى منها. و جاءوا بالقاهر و هو أعمى قد سملت عيناه فأوقف بين يديه فسلم عليه بالخلافة و سلمها إليه، فقام الراضي باعبائها، و كان من خيار الخلفاء على ما سنذكره. و أمر بإحضار أبى على بن مقلة فولاه الوزارة، و جعل على بن عيسى ناظرا معه، و أطلق كل من كان في حبس القاهر، و استدعى عيسى طبيب القاهر فصادره بمائتي ألف دينار، و تسلم منه الوديعة التي كان القاهر أودعه إياها، و كانت جملة مستكثرة من الذهب و الفضة و الجواهر النفيسة. و فيها عظم أمر مرداويج بأصبهان و تحدث الناس أنه يريد أخذ بغداد، و أنه ممالئ لصاحب البحرين أمير القرامطة، و قد اتفقا على رد الدولة من العرب إلى العجم، و أساء السيرة في رعيته، لا سيما في خواصه. فتمالئوا عليه فقتلوه، و كان القائم بأعباء قتله أخص مماليكه و هو يحكم بيض اللَّه وجهه، و يحكم هذا هو الّذي استنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة حتى ردوه، اشتراه منهم بخمسين ألف دينار. و لما قتل الأمير يحكم مرداويج