البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٥ - ثم دخلت سنة خمس عشرة و ثلاثمائة
و ضربوا الناقوس في الجامع بها، فأمر الخليفة مؤنس الخادم بالتجهيز إليهم، و خلع عليه خلعة سنية.
ثم جاءت الكتب بأن المسلمين وثبوا على الروم فقتلوا منهم خلقا كثيرا جدا فلله الحمد و المنة. و لما تجهز مؤنس للمسير جاءه بعض الخدم فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه، و قد حضرت له ريبة في دار الخلافة مغطاة ليقع فيها، فأحجم عن الذهاب. و جاءت الأمراء إليه من كل جانب ليكونوا معه على الخليفة، فبعث إليه الخليفة رقعة فيها خطه يحلف له أن هذا الأمر الّذي بلغه ليس بصحيح. فطابت نفسه و ركب إلى دار الخلافة في غلمانه، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة. و حلف أنه طيب القلب عليه، و له عنده الصفاء الّذي يعرفه. ثم خرج من بين يديه معظما مكرما و ركب العباس بن الخليفة و الوزير و نصر الحاجب في خدمته لتوديعه، و كبر الأمراء بين يديه مثل الحجبة، و كان خروجه يوما مشهودا، قاصدا بلاد الثغور لقتال الروم. و في جمادى الأولى منها قبض على رجل خناق قد قتل خلقا من النساء، و كان يدعى لهن أنه يعرف العطف و التنجيم، فقصده النساء لذلك فإذا انفرد بالمرأة قام إليها ففعل معها الفاحشة و خنقها بوتو و أعانته امرأته و حفر لها في داره فدفنها، فإذا امتلأت تلك الدار من القتلى انتقل إلى دار أخرى. و لما ظهر عليه وجد في داره التي هو فيها أخيرا سبع عشرة امرأة قد خنقهن، ثم تتبعت الدور التي سكنها فوجدوه قد قتل شيئا كثيرا من النساء، فضرب ألف سوط ثم خنق حتى مات. و فيها كان ظهور الديلم قبحهم اللَّه ببلاد الري، و كان فيهم ملك غلب على أمرهم يقال له مرداويح، يجلس على سرير من ذهب و بين يديه سرير من فضة، و يقول: أنا سليمان بن داود. و قد سار في أهل الري و قزوين و أصبهان سيرة قبيحة جدا، فكان يقتل النساء و الصبيان في المهد، و يأخذ أموال الناس، و هو في غاية الجبروت و الشدة و الجرأة على محارم اللَّه عز و جل، فقتلته الأتراك و أراح اللَّه المسلمين من شره.
و فيها كانت بين يوسف بن أبى الساج و بين أبى طاهر القرمطى عند الكوفة موقعة فسبقه إليها أبو طاهر فحال بينه و بينها، فكتب إليه يوسف بن أبى الساج: اسمع و أطمع و إلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوال منها، فكتب إليه: هلم. فسار إليه، فلما تراءى الجمعان استقل يوسف جيش القرمطى، و كان مع يوسف بن أبى الساج عشرون ألفا، و مع القرمطى ألف فارس و خمسمائة رجل. فقال يوسف: و ما قيمة هؤلاء الكلاب؟ و أمر الكاتب أن يكتب بالفتح إلى الخليفة قبل اللقاء، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتا عظيما، و نزل القرمطى فحرّض أصحابه و حمل بهم حملة صادقة، فهزموا جند الخليفة، و أسروا يوسف ابن أبى الساج أمير الجيش، و قتلوا خلقا كثيرا من جند الخليفة، و استحوذوا على الكوفة، و جاءت الأخبار بذلك إلى بغداد، و شاع بين الناس أن القرامطة يريدون أخذ بغداد، فانزعج الناس لذلك و ظنوا صدقه، فاجتمع الوزير بالخليفة و قال: يا أمير المؤمنين إن الأموال إنما تدخر لتكون عونا على