البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و مائتين
عمره سبعا و خمسين سنة (رحمه اللَّه تعالى).
أبو يزيد البسطامي
اسمه طيفور بن عيسى بن على، أحد مشايخ الصوفية، و كان جده مجوسيا فأسلم، و كان لأبى يزيد أخوات صالحات عابدات، و هو أجلهم، قيل لأبى يزيد: بأي شيء وصلت إلى المعرفة؟ فقال ببطن جائع و بدن عار. و كان يقول: دعوت نفسي إلى طاعة اللَّه فلم تجبني فمنعتها الماء سنة، و قال إذا رأيتم الرجل قد أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تعتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر و النهى و حفظ الحدود و الوقوف عند الشريعة. قال ابن خلكان: و له مقامات و مجاهدات مشهورة و كرامات ظاهرة. توفى سنة إحدى و ستين و مائتين. قلت: و قد حكى عنه شحطات ناقصات، و قد تأولها كثير من الفقهاء و الصوفية و حملوها على محامل بعيدة، و قد قال بعضهم:
إنه قال ذلك في حال الاصطلام و الغيبة. و من العلماء من بدّعه و خطّأه و جعل ذلك من أكبر البدع و أنها تدل على اعتقاد فاسد كامن في القلب ظهر في أوقاته و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة اثنتين و ستين و مائتين
فيها قدم يعقوب بن الليث في جحافل فدخل واسط قهرا فخرج الخليفة المعتمد بنفسه من سامرا لقتاله فتوسط بين بغداد و واسط فانتدب له أبو أحمد الموفق باللَّه أخو الخليفة، في جيش عظيم على ميمنته موسى بن بغا، و على ميسرته مسرور البلخي، فاقتتلوا في رجب من هذه السنة أياما قتالا عظيما، ثم كانت العلبة على يعقوب و أصحابه، و ذلك يوم عيد الشعانين. فقتل منهم خلق كثير و غنم منهم أبو أحمد شيئا كثيرا من الذهب و الفضة و المسك و الدواب. و يقال إنهم وجدوا في جيش يعقوب هذا رايات عليها صلبان ثم انصرف المعتمد إلى المدائن و رد محمد بن طاهر إلى نيابة بغداد و أمر له بخمسمائة ألف درهم. و فيها غلب يعقوب بن الليث على بلاد فارس و هرب ابن واصل منها. و فيها كانت حروب كثيرة بين صاحب الزنج و جيش الخليفة. و فيها ولى القضاء على بن محمد بن أبى الشوارب. و فيها جمع للقاضي إسماعيل بن إسحاق قضاء جانبي بغداد. و فيها حج بالناس الفضل ابن إسحاق العباسي. قال ابن جرير: و فيها وقع بين الخياطين و الخرازين بمكة فاقتتلوا يوم التروية أو قبله بيوم. فقتل منهم سبعة عشر نفسا و خاف الناس أن يفوتهم الحج بسببهم، ثم توادعوا إلى ما بعد الحج. و فيها توفى من الأعيان صالح بن على بن يعقوب بن المنصور في ربيع الآخر منها.
و عمر بن شبة النميري. و محمد بن عاصم. و يعقوب بن شيبة صاحب المسند الحافل المشهور و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و مائتين
فيها جرت حروب كثيرة منتشرة في بلاد شتى فمن ذلك مقتلة عظيمة في الزنج لعنهم اللَّه،