البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٦ - أحمد بن طولون
و كتب معه كتابا و ختمه إلى بعض الأمراء و لم يواجه أحمد بشيء مما قالت الجارية، و كان في الكتاب أن ساعة وصول حامل هذا الكتاب إليك تضرب عنقه و ابعث برأسه سريعا إلى. فذهب بالكتاب من عند طولون و هو لا يدرى ما فيه، فاجتاز بطريقة بتلك الحظية فاستدعته إليها فقال: إني مشغول بهذا الكتاب لأوصله إلى بعض الأمراء. قالت: هلم فلي إليك حاجة- و أرادت أن تحقق في ذهن الملك طولون ما قالت له عنه فحبسته عندها ليكتب لها كتابا، ثم استوهبت من أحمد الكتاب الّذي أمره طولون أن يوصله إلى ذلك الأمير، فدفعه إليها فأرسلت به ذلك الخادم الّذي وجده معها على الفاحشة و ظنت أن به جائزة تريد أن تخص بها الخادم المذكور فذهب بالكتاب إلى ذلك الأمير، فلما قرأه أمر بضرب عنق ذلك الخادم و أرسل برأسه إلى الملك طولون. فتعجب الملك من ذلك و قال:
أين أحمد؟ فطلب له فقال: ويحك أخبرنى كيف صنعت منذ خرجت من عندي؟ فأخبره بما جرى من الأمر. و لما سمعت تلك الحظية بأن رأس الخادم قد أتى به إلى طولون أسقط في يديها و توهمت أن الملك قد تحقق الحال، فقامت إليه تعتذر و تستغفر مما وقع منها مع الخادم، و اعترفت بالحق و برأت أحمد مما نسبته إليه، فحظي عند الملك طولون و أوصى له بالملك من بعده.
ثم ولى نيابة الديار المصرية للمعتز فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من رمضان سنة أربع و خمسين و مائتين، فأحسن إلى أهلها و أنفق فيهم من بيت المال و من الصدقات، و استغفل الديار المصرية في بعض السنين أربعة آلاف ألف دينار، و بنى بها الجامع، غرم عليه مائة ألف دينار و عشرين ألف دينار، و فرغ منه في سنة سبع و خمسين، و قيل في سنة ست و ستين و مائتين، و كانت له مائدة في كل يوم يحضرها الخاص و العام، و كان يتصدق من خالص ماله في كل شهر بألف دينار. و قد قال له وكيله يوما: إنه تأتينى المرأة و عليها الازار و البذلة و لها الهيئة الحسنة تسألنى فأعطيها؟
فقال: من مدّ يده إليك فأعطه، و كان من أحفظ الناس للقرآن، و من أطيبهم به صوتا. و قد حكى ابن خلكان عنه أنه قتل صبرا نحوا من ثمانية عشر ألف نفس، فاللَّه أعلم. و بنى المارستان غرم عليه ستين ألف دينار، و على الميدان مائة و خمسين ألفا، و كانت له صدقات كثيرة جدا، و إحسان زائد ثم ملك دمشق بعد أميرها ماخور في سنة أربع و ستين و مائتين، فأحسن إلى أهلها أيضا إحسانا بالغا، و اتفق أنه وقع بها حريق عند كنيسة مريم فنهض بنفسه إليه و معه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر و الحافظ الدمشقيّ، و كاتبه أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد الواسطي، فأمر كاتبه أن يخرج من ماله سبعين ألف دينار تصرف إلى أهل الدور و الأموال التي أحرقت. فصرف إليهم جميع قيمة ما ذكره و بقي أربعة عشر ألف دينار فاضلة عن ذلك، فأمر بها أن توزع عليهم على قدر حصصهم، ثم أمر بمال عظيم يفرق على فقراء دمشق و غوطتها، فأقل ما حصل للفقير دينار. (رحمه اللَّه). ثم خرج إلى أنطاكية