البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٤ - ثم دخلت سنة ثمان و ثمانين و مائتين
ببلدنا من أهل السنة. و هذا كان أبوه من كبار النواصب فسماه عليا تقاة لكم، فتبسم محمد بن زيد و أحسن إليهما.
قال ابن الأثير في كامله: و ممن توفى فيها إسحاق بن يعقوب بن عمر بن الخطاب العدوي- عدي ربيعة. و كان أميرا على ديار ربيعة بالجزيرة، فولى مكانه عبد اللَّه بن الهيثم بن عبد اللَّه بن المعتمر. و على بن عبد العزيز البغوي صاحب أبى عبيد القاسم بن سلام. و مهدي بن أحمد بن مهدي الأزدي الموصلي- و كان من الأعيان- و ذكر هو و أبو الفرج بن الجوزي أن قطر الندى بنت خمارويه ابن أحمد بن طولون امرأة المعتضد توفيت في هذه السنة. قال ابن الجوزي: لسبع خلون من رجب منها، و دفنت داخل القصر بالرصافة. يعقوب بن يوسف بن أيوب أبو بكر المطوعي، سمع أحمد بن حنبل و على بن المديني، و عنه النجاد و الخلدى، و كان ورده في كل يوم قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحدى و ثلاثين ألف مرة، أو إحدى و أربعين ألف مرة.
قلت: و ممن توفى فيها
أبو بكر بن أبى عاصم صاحب السنة و المصنفات و هو:
أحمد بن عمرو بن أبى عاصم الضحاك
ابن النبيل، له مصنفات في الحديث كثيرة، منها كتاب السنة في أحاديث الصفات على طريق السلف، و كان حافظا، قد ولى قضاء أصبهان بعد صالح بن أحمد، و قد طاف البلاد قبل ذلك في طلب الحديث، و صحب أبا تراب النخشبى و غيره من مشايخ الصوفية، و قد اتفق له مرة كرامة هائلة كان هو و اثنان من كبار الصالحين في سفر فنزلوا على رمل أبيض، فجعل أبو بكر هذا يقبله بيده و يقول: اللَّهمّ ارزقنا خبيصا يكون غداء على لون هذا الرمل. فلم يكن بأسرع من أن أقبل أعرابى و بيده قصعة فيها خبيص بلون ذلك الرمل و في بياضه، فأكلوا منه. و كان يقول: لا أحب أن يحضر مجلسى مبتدع و لا مدع و لا طعان و لا لعان و لا فاحش و لا بذيء، و لا منحرف عن الشافعيّ و أصحاب الحديث. توفى في هذه السنة بأصبهان. و قد رآه بعضهم بعد وفاته و هو يصلى فلما انصرف قال:
ما فعل بك؟ فقال: يؤنسني ربى عز و جل
ثم دخلت سنة ثمان و ثمانين و مائتين
اتفق في هذه السنة آفات و مصائب عديدة منها أن الروم قصدوا بلاد الرقة في جحافل عظيمة و عساكر من البحر و البر، فقتلوا خلقا و أسروا نحوا من خمسة عشر ألفا من الذرية. و منها أن بلاد أذربيجان أصاب أهلها وباء شديد حتى لم يبق أحد يقدر على دفن الموتى، فتركوا في الطرق لا يوارون.
و منها أن بلاد أردبيل أصابها ريح شديدة من بعد العصر إلى ثلث الليل ثم زلزلوا زلزالا شديدا، و استمر ذلك عليهم أياما فتهدمت الدور و المساكن، و خسف بآخرين منهم، و كان جملة من مات تحت الهدم مائة ألف و خمسين ألفا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و فيها اقترب القرامطة من البصرة