البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١١ - موسى بن إسحاق
فقال: إذا غربت عنه الفهوم و باح بسره المكتوم. فاستحسن الحاضرون منه ذلك و عظم في أعين الناس. قال ابن الجوزي في المنتظم: و قد ابتلى بحب صبي اسمه محمد بن جامع و يقال محمد بن زخرف فاستعمل العفاف و الدين في حبه، و لم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته في ذلك. قلت: فدخل في
الحديث المروي عن ابن عباس موقوفا عليه و مرفوعا عنه: «من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا».
و قد قيل عنه إنه كان يبيح العشق بشرط العفاف. و حكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشق منذ كان في الكتّاب و أنه صنف كتاب الزهرة في ذلك من صغره، و رد ما وقف أبوه داود على بعض ذلك، و كان يتناظر هو و أبو العباس بن شريح كثيرا بحضرة القاضي أبى عمر محمد بن يوسف فيعجب الناس من مناظرتهما و حسنها، و قد قال له ابن شريح يوما في مناظرته: أنت بكتاب الزهرة أشهر منك بهذا. فقال له: تعيرني بكتاب الزهرة و أنت لا تحسن تشتم قراءته، و هو كتاب جمعناه هزلا فاجمع أنت مثله جدا. و قال القاضي أبو عمر: كنت يوما أنا و أبو بكر بن داود راكبين فإذا جارية تغني بشيء من شعره:
أشكو إليك فؤادا أنت متلفه* * * شكوى عليل إلى إلف يعلله
سقمي تزيد على الأيام كثرته* * * و أنت في عظم ما ألقى تقلله
اللَّه حرم قتلى في الهوى أسفا* * * و أنت يا قاتلي ظلما تحلله
فقال أبو بكر: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقلت: هيهات سار به الركبان. كانت وفاة محمد بن داود (رحمه اللَّه) في رمضان من هذه السنة، و جلس ابن شريح لعزاه و قال: ما أثنى إلا على التراب الّذي أكل لسان محمد بن داود (رحمه اللَّه).
محمد بن عثمان بن أبى شيبة
أبو جعفر، حدث عن يحيى بن معين و على بن المديني و خلق، و عنه ابن صاعد و الخلدى و الباغندي و غيرهم، و له كتاب في التاريخ و غيره من المصنفات، و قد وثقه صالح بن محمد جزرة و غيره، و كذبه عبد اللَّه بن الامام أحمد و قال: هو كذاب بيّن الأمر، و تعجب ممن يروى عنه. توفى في ربيع الأول منها.
محمد بن طاهر بن عبد اللَّه بن الحسن بن مصعب من بيت الامارة و الحشمة، باشر نيابة العراق مدة ثم خراسان ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان و خمسين فأسره و بقي معه يطوف به الآفاق أربع سنين، ثم تخلص منه في بعض الوقعات و نجا بنفسه، و لم يزل مقيما ببغداد إلى أن توفى في هذه السنة.
موسى بن إسحاق
ابن موسى بن عبد اللَّه أبو بكر الأنصاري الخطميّ، مولده سنة عشر و مائتين، سمع أباه و أحمد ابن حنبل و على بن الجعد و غيرهم، و حدث عنه الناس و هو شاب و قرءوا عليه القرآن، و كان ينتحل