البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨١ - و ممن توفى فيها من الأعيان
البلاد. فلم يقبل فأقبل إليه إسماعيل في جيوش عظيمة، جدا فالتقيا عند بلخ فهزم أصحاب عمرو، و أسر عمرو، فلما جيء به إلى إسماعيل بن أحمد قام إليه و قبل بين عينيه و غسل وجهه و خلع عليه و أمنه و كتب إلى الخليفة في أمره، و يذكر أن أهل تلك البلاد قد ملوا و ضجروا من ولايته عليهم، فجاء كتاب الخليفة بأن يتسلم حواصله و أمواله فسلبه إياها، فآل به الحال بعد أن كان مطبخه يحمل على ستمائة جمل إلى القيد و السجن. [و من العجائب أن عمرا كان معه خمسون ألف مقاتل لم يصب أحد منهم و لا أسر سواه وحده، و هذا جزاء من غلب عليه الطمع، و قاده الحرص حتى أوقعه في ذل الفقر، و هذه سنة اللَّه في كل طامع فيما ليس له، و في كل طالب للزيادة في الدنيا] [١]
ظهور أبى سعيد الجنابي رأس القرامطة قبحهم اللَّه و لعنهم
«و هذا أخبث من الزنج و أشد فسادا» كان ظهوره في جمادى الآخرة من هذه السنة بنواحي البصرة، فالتف عليه من الأعراب و غيرهم بشر كثير، و قويت شوكته جدا، و قتل من حوله من أهل القرى، ثم صار إلى القطيف قريبا من البصرة، و رام دخولها فكتب الخليفة المعتضد إلى نائبها يأمره بتحصين سورها، فعمروه وجدوا معالمه بنحو من أربعة آلاف دينار، فامتنعت من القرامطة بسبب ذلك. و تغلب أبو سعيد الجنابي و من معه من القرامطة على هجر و ما حولها من البلاد، و أكثروا في الأرض الفساد. و كان أصل أبى سعيد الجنابي هذا أنه كان سمسارا في الطعام يبيعه و يحسب للناس الأثمان، فقدم رجل به يقال له يحيى بن المهدي في سنة إحدى و ثمانين و مائتين فدعا أهل القطيف إلى بيعة المهدي، فاستجاب له رجل يقال له على بن العلاء بن حمدان الزيادي، و ساعده في الدعوة إلى المهدي، و جمع الشيعة الذين كانوا بالقطيف فاستجابوا له، و كان في جملة من استجاب أبو سعيد الجنابي هذا قبحه اللَّه، ثم تغلب على أمرهم و أظهر فيهم القرمطة فاستجابوا له و التفوا عليه، فتأمر عليهم و صار هو المشار إليه فيهم. و أصله من بلدة هناك يقال لها جنابة، و سيأتي ما يكون من أمره و أمر أصحابه. قال في المنتظم: و من عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة. ثم روى بسنده أن امرأة تقدمت إلى قاضى الري فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار فأنكره فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه و أنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا و الآخرة
و ممن توفى فيها من الأعيان
المشاهير أحمد بن عيسى أبو سعيد الخراز فيما ذكره شيخنا الذهبي.
[١] زيادة من نسخة أخرى من الأستانة.