البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٥ - محمد بن على بن الحسن بن عبد اللَّه
و قطعت يده و لسانه، و حبس حتى مات في هذه السنة التي مات فيها ابن شنبوذ. و هذه ترجمة ابن مقلة الوزير أحد الكتاب المشاهير و هو.
محمد بن على بن الحسن بن عبد اللَّه
أبو على المعروف بابن مقلة الوزير. و قد كان في أول عمره ضعيف الحال، قليل المال، ثم آل به الحال إلى أن ولى الوزارة لثلاثة من الخلفاء: المقتدر، و القاهر، و الراضي. و عزل ثلاث مرات، و قطعت يده و لسانه في آخر عمره، و حبس فكان يستقى الماء بيده اليسرى و أسنانه، و كان مع ذلك يكتب بيده اليمنى مع قطعها، كما كان يكتب بها و هي صحيحة. و قد كان خطه من أقوى الخطوط، كما هو مشهور عنه. و قد بنى له دارا في زمان وزارته و جمع عند بنيانها خلقا من المنجمين، فاتفقوا على وضع أساسها في الوقت الفلاني، فأسس جدرانها بين العشاءين كما أشار به المنجمون. فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرا حتى خربت و صارت كوما، كما ذكرنا ذلك، و ذكرنا ما كتبوا على جدرانها.
و قد كان له بستان كبير جدا، عدة اجربة- أي فدادين- و كان على جميعه شبكة من إبريسم، و فيه أنواع الطيور من القماري و الهزار و الببغ و البلابل و الطواويس و غير ذلك شيء كثير، و في أرضه من الغزلان و بقر الوحش و النعام و غير ذلك شيء كثير أيضا. ثم صار هذا كله عما قريب بعد النضرة و البهجة و البهاء إلى الهلاك و البوار و الفناء و الزوال. و هذه سنة اللَّه في المغترين الجاهلين الراكنين إلى دار الفناء و الغرور. و قد أنشد فيه بعض الشعراء حين بنى داره و بستانه و ما اتسع فيه من متاع الدنيا:
قل لابن مقلة: لا تكن عجلا* * * و اصبر، فإنك في أضغاث أحلام
تبنى بأحجر دور الناس مجتهدا* * * دارا ستهدم قنصا بعد أيام
ما زلت تختار سعد المشترى لها* * * فكم نحوس به من نحس بهرام
إن القران و بطليموس ما اجتمعا* * * في حال نقض و لا في حال إبرام
فعزل ابن مقلة عن وزارة بغداد و خربت داره و انقلعت أشجاره و قطعت يده، ثم قطع لسانه و صودر بألف ألف دينار، ثم سجن وحده ليس معه من يخدمه مع الكبر و الضعف و الضرورة و انعدام بعض أعضائه، حتى كان يستقى الماء بنفسه من بئر عميق، فكان يدلى الحبل بيده اليسرى و يمسكه بفيه. و قاسي جهدا جهيدا بعد ما ذاق عيشا رغيدا. و من شعره في يده:
ما سئمت الحياة، لكن توثقت للحياة* * * بأيمانهم، فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى* * * حرموني دنياهم بعد ديني
و لقد حفظت ما استطعت بجهدي* * * حفظ أرواحهم، فما حفظوني