البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٣ - ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة
ثم ولى قضاء القضاة، و هو أول من ولى قضاء القضاة من الشافعية سوى أبى السائب، و كان جيد السيرة في القضاء. توفى في ربيع الأول منها.
ثم دخلت سنة ثلاث و خمسين و ثلاثمائة
في عاشر المحرم منها عملت الرافضة عزاء الحسين كما تقدم في السنة الماضية فاقتتل الروافض و أهل السنة في هذا اليوم قتالا شديدا، و انتهبت الأموال. و فيها عصى نجا غلام سيف الدولة عليه، و ذلك أنه كان في العام الماضي قد صادر أهل حران و أخذ منهم أموالا جزيلة فتمرد بها و ذهب إلى أذربيجان و أخذ طائفة منها من يد رجل من الأعراب يقال له أبو الورد، فقتله و أخذ من أمواله شيئا كثيرا، و قويت شوكته بسبب ذلك، فسار إليه سيف الدولة فأخذه و أمر بقتله فقتل بين يديه، و ألقيت جثته في الأقذار. و فيها جاء الدمستق إلى المصيصة فحاصرها و ثقب سورها فدافعه أهلها فأحرق رستاقها و قتل ممن حولها خمسة عشر الفا و عاثوا فسادا في بلاد أذنة و طرسوس، و كر راجعا إلى بلاده. و فيها قصد معز الدولة الموصل و جزيرة ابن عمر فأخذ الموصل، و أقام بها، فراسله في الصلح صاحبها فاصطلحا على أن يكون الحمل في كل سنة، و أن يكون أبو تغلب بن ناصر الدولة ولى عهد أبيه من بعده، فأجاب معز الدولة إلى ذلك، و كر راجعا إلى بغداد بعد ما جرت له خطوب كثيرة استقصاها ابن الأثير.
و فيها ظهر رجل ببلاد الديلم و هو أبو عبد اللَّه محمد بن الحسين من أولاد الحسين بن على، و يعرف بابن الراعي، فالتف عليه خلق كثير، و دعا إلى نفسه و تسمى بالمهديّ، و كان أصله من بغداد و عظم شأنه بتلك البلاد، و هرب منه ابن الناصر العلويّ. و فيها قصد ملك الروم و في صحبته الدمستق ملك الأرمن بلاد طرسوس فحاصرها مدة ثم غلت عليهم الأسعار و أخذهم الوباء فمات كثير منهم فكروا راجعين، (وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً) و كان من عزمهم يريدون أن يستحوذوا على البلاد الإسلامية كلها، و ذلك لسوء حكامها و فساد عقائدهم في الصحابة فسلم اللَّه و رجعوا خائبين. و فيها كانت وقعة المختار ببلاد صقلّيّة، و ذلك أنه أقبل من الروم خلق كثير، و من الفرنج ما يقارب مائة ألف، فبعث أهل صقلّيّة إلى المعز الفاطمي يستنجدونه، فبعث إليهم جيوشا كثيرة في الاسطول، و كانت بين المسلمين و المشركين وقعة عظيمة صبر فيها الفريقان من أول النهار إلى العصر، ثم قتل أمير الروم مويل، و فرت الروم و انهزموا هزيمة قبيحة فقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا و سقط الفرنج في واد من الماء عميق فغرق أكثرهم و ركب الباقون في المراكب، فبعث الأمير أحمد صاحب صقلّيّة في آثارهم مراكب أخر فقتلوا أكثرهم في البحر أيضا، و غنموا في هذه الغزوة كثيرا من الأموال و الحيوانات و الأمتعة و الأسلحة، فكان في جملة ذلك سيف مكتوب عليه: هذا سيف هندي زنته مائة و سبعون مثقالا، طال لما قوتل به بين يدي