البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - الحسن بن سفيان
أثنى عليه غير واحد من الأئمة و شهدوا له بالفضل و التقدم في هذا الشأن. و قد ولى الحكم بمدينة حمص. سمعته من شيخنا المزي عن رواية الطبراني في معجمه الأوسط حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحمص. و ذكروا أنه كان له من النساء أربع نسوة، و كان في غاية الحسن، وجهه كأنه قنديل، و كان يأكل في كل يوم ديكا و يشرب عليه نقيع الزبيب الحلال، و قد قيل عنه: إنه كان ينسب إليه شيء من التشيع. قالوا: و دخل إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشيء من فضائل معاوية فقال: أما يكفى معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد الجامع، فسار من عندهم إلى مكة فمات بها في هذه السنة، و قبره بها هكذا حكاه الحاكم عن محمد بن إسحاق الأصبهاني عن مشايخه. و قال الدار قطنى: كان أفقه مشايخ مصر في عصره، و أعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، و أعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجونى إلى مكة، فأخرجوه و هو عليل، فتوفى بمكة مقتولا شهيدا، مع ما رزق من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره، مات بمكة سنة ثلاث و ثلاثمائة. قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغنى بن نقطة في تقييده و من خطه نقلت و من خط أبى عامر محمد بن سعدون العبدري الحافظ: مات أبو عبد الرحمن النسائي بالرملة مدينة فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث و ثلاثمائة، و دفن ببيت المقدس. و حكى ابن خلكان أنه توفى في شعبان من هذه السنة، و أنه إنما صنف الخصائص في فضل على و أهل البيت، لأنه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة ثنتين و ثلاثمائة عندهم نفرة من على، و سألوه عن معاوية فقال ما قال، فدققوه في خصيتيه فمات. و هكذا ذكر ابن يونس و أبو جعفر الطحاوي: إنه توفى بفلسطين في صفر من هذه السنة، و كان مولده في سنة خمس عشرة أو أربع عشرة و مائتين تقريبا عن قوله، فكان عمره ثمانيا و ثمانين سنة.
الحسن بن سفيان
ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، أبو العباس الشيباني النسوي، محدث خراسان، و قد كان يضرب إليه آباط الإبل في معرفة الحديث و الفقه. رحل إلى الآفاق و تفقه على أبى ثور، و كان يفتى بمذهبه، و أخذ الأدب عن أصحاب النضر بن شميل، و كانت إليه الرحلة بخراسان. و من غريب ما اتفق له: أنه كان هو و جماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم إلى الحديث، فضاق عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئا، و لا يجدون ما يبيعونه للقوت، و اضطرهم الحال إلى تجشم السؤال، و أنفت أنفسهم من ذلك و عزت عليهم و امتنعت كل الامتناع، و الحاجة تضطرهم إلى تعاطى ذلك، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بأعباء هذا الأمر، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان هذا،