البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٥ - ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة
و من استغنى باللَّه أمن العدم، ثم تركني و مضى. و قال أبو صالح: مكثت ستة أيام أو سبعة لم آكل و لم أشرب، و لحقني عطش عظيم، فجئت إلى النهر الّذي وراء المسجد فجلست انظر إلى الماء، فتذكرت قوله تعالى (وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) فذهب عنى العطش، فمكثت تمام العشرة أيام. و قال: مكثت أربعين يوما لم أشرب، ثم شربت، و أخذ رجل فضلتى ثم ذهب إلى امرأته فقال: اشربى فضل رجل قد مكث أربعين يوما لم يشرب الماء. قال أبو صالح: و لم يكن اطلع على ذلك أحد إلا اللَّه عز و جل. و من كلام أبى صالح: الدنيا حرام على القلوب حلال على النفوس، لأن كل شيء يحل لك أن تنظر بعين رأسك إليه يحرم عليك أن تنظر بعين قلبك إليه. و كان يقول: البدن لباس القلب و القلب لباس الفؤاد، و الفؤاد لباس الضمير، و الضمير لباس السر، و السر لباس المعرفة به. و لأبى صالح مناقب كثيرة (رحمه اللَّه). توفى في جمادى الأولى من هذه السنة و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة
فيها دخل سيف الدولة إلى واسط و قد انهزم عنها البريدي و أخوه أبو الحسين، ثم اختلف الترك على سيف الدولة، فهرب منها قاصدا بغداد، و بلغ أخاه أمير الأمراء خبره فخرج من بغداد إلى الموصل، فنهبت داره. و كانت دولته على بغداد ثلاثة عشر شهرا و خمسة أيام. و جاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها فنزل بباب حرب، فطلب من الخليفة أن يمده بمال يتقوى به على حرب تورون، فبعث إليه بأربعمائة ألف درهم، ففرقها بأصحابه. و حين سمع بقدوم تورون خرج من بغداد و دخلها تورون في الخامس و العشرين من رمضان، فخلع عليه الخليفة و جعله أمير الأمراء و استقر أمره ببغداد. و عند ذلك رجع البريدي إلى واسط و أخرج من كان بها من أصحاب تورون و كان في أسر تورون غلام سيف الدولة، يقال له ثمال، فأرسله إلى مولاه ليخبره حاله و يرفع أمره عند آل حمدان. و فيها كانت زلزلة عظيمة ببلاد نسا، سقط منها عمارات كثيرة، و هلك بسببها خلق كثير. قال ابن الجوزي: و كان ببغداد في أيلول و تشرين حر شديد يأخذ بالأنفاس. و في صفر منها ورد الخبر بورود الروم إلى أرزن و ميافارقين و أنهم سبوا.
و في ربيع الآخر منها عقد أبو منصور إسحاق بن الخليفة المتقى عقده على علوية بنت ناصر الدولة بن حمدان، على صداق مائة ألف دينار و ألف ألف درهم، و ولى العقد على الجارية المذكورة أبو عبد اللَّه محمد بن أبى موسى الهاشمي، و لم يحضر ناصر الدولة، و ضرب ناصر الدولة سكة ضرب فيها ناصر الدولة عبد آل محمد.
قال ابن الجوزي: و فيها غلت الأسعار حتى أكل الناس الكلاب و وقع البلاء في الناس، و وافى من الجراد شيء كثير جدا، حتى بيع منه كل خمسين رطلا بالدرهم، فارتفق الناس به في