البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - بختيار بن بويه الديلميّ
فسجنه في بعض القلاع و بلغ ذلك عضد الدولة و أنهما قد اتفقا على حربه فركب إليهما بجيشه و أراد إخراج الخليفة الطائع معه فاستعفاه فأعفاه فذهب إليهما فالتقى معهما فكسرهما و هزمهما، و أخذ عز الدولة أسيرا و قتله من فوره، و أخذ الموصل و معاملتها، و كان قد حمل معه ميرة كثيرة، و شرد أبا تغلب في البلاد و بعث وراءه السرايا في كل وجه، و أقام بالموصل إلى أواخر سنة ثمان و ستين، و فتح ميافارقين و آمد و غيرهما من بلاد بكر و ربيعة، و تسلم بلاد مضر من أيدي نواب أبى تغلب، و أخذ منهم الرحبة ورد بقيتها على صاحب حلب سعد الدولة بن سيف الدولة، و تسلط على سعد الدولة، و حين رجع من الموصل استناب عليها أبا ألوفا، و عاد إلى بغداد فتلقاه الخليفة و رءوس الناس إلى ظاهر البلد، و كان يوما مشهودا.
و مما وقع من الحوادث فيها الوقعة التي كانت بين العزيز بن المعز الفاطمي و بين الفتكين غلام معز الدولة صاحب دمشق فهزمه و أسره و أخذه معه إلى الديار المصرية مكرما معظما كما تقدم، و تسلم العزيز دمشق و أعمالها، و قد تقدم بسط ذلك في سنة أربع و ستين.
و فيها خلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي بقضاء قضاة الري و ما تحت حكم مؤيد الدولة بن ركن الدولة، و له مصنفات حسنة، منها دلائل النبوة و عمد الأدلة و غيرها. و حج بالناس فيها نائب المصريين و هو الأمير باديس بن زيري أخو يوسف بن بلكين. و لما دخل مكة اجتمع إليه اللصوص و سألوا منه أن يضمّنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال. فأظهر لهم الاجابة إلى ما سألوا و قال لهم: اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم، فاجتمع عنده بضع و ثلاثون حراميا، فقال:
هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا له إنه لم يبق منهم أحد. فأخذ عند ذلك بالقبض عليهم و بقطع أيديهم كلهم، و نعما ما فعل. و كانت الخطبة في الحجاز للفاطميين دون العباسيين.
و ممن توفى فيها من الأعيان
الملك عز الدولة.
بختيار بن بويه الديلميّ
ملك بعد أبيه و عمره فوق العشرين سنة بقليل، و كان حسن الجسم شديد البطش قوى القلب، يقال إنه كان يأخذ بقوائم الثور الشديد فيلقيه في الأرض من غير أعوان، و يقصد الأسود في أماكنها، و لكنه كان كثير اللهو و اللعب و الإقبال على اللذات، و لما كسره ابن عمه ببلاد الأهواز كان في جملة ما أخذ منه أمرد كان يحبه حبا شديدا لا يهنأ بالعيش إلا معه، فبعث يترفق له في رده إليه، و أرسل إليه بتحف كثيرة و أموال جزيلة و جاريتين عوادتين لا قيمة لهما، فرد عليه الغلام المذكور فكثر تعنيف الناس له عند ذلك و سقط من أعين الملوك، فإنه كان يقول: ذهاب هذا الغلام منى أشد على من أخذ بغداد من يدي، بل و أرض العراق كلها. ثم كان من أمره بعد ذلك