البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٢ - ثم دخلت سنة ثمان و سبعين و مائتين
إلى قرمط بن الأشعث البقار، و قيل إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين صلاة في كل يوم و ليلة ليشغلهم بذلك عما يريد تدبيره من المكيدة. ثم اتخذ نقباء اثنى عشر، و أسس لأتباعه دعوة و مسلكا يسلكونه و دعا إلى إمام أهل البيت، و يقال لهم الباطنية لأنهم يظهرون الرفض و يبطنون الكفر المحض، و الجرمية و البابكية نسبة إلى بابك الجرمي الّذي ظهر في أيام المعتصم و قتل كما تقدم. و يقال لهم المحمرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعارا مضاهاة لبني العباس و مخالفة لهم، لأن بنى العباس يلبسون السواد. و يقال لهم التعليمية نسبة إلى التعلم من الامام المعصوم. و ترك الرأى و مقتضى العقل. و يقال لهم السبعية نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيزة السائرة مدبرة لهذا العالم فيما يزعمون لعنهم اللَّه. و هي القمر في الأولى، و عطارد في الثانية، و الزهرة في الثالثة، و الشمس في الرابعة، و المريخ في الخامسة، و المشترى في السادسة، و زحل في السابعة. قال ابن الجوزي: و قد بقي من البابكية جماعة يقال إنهم يجتمعون في كل سنة ليلة هم و نساؤهم ثم يطفئون المصباح و ينتهبون النساء فمن وقعت يده في امرأة حلت له. و يقولون هذا اصطياد مباح لعنهم اللَّه.
و قد ذكر ابن الجوزي تفصيل قولهم و بسطه، و قد سبقه إلى ذلك أبو بكر الباقلاني المتكلم المشهور في كتابه «هتك الأستار و كشف الأسرار» في الرد على الباطنية، و رد على كتابهم الّذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصرفى أيام الفاطميين الّذي سماه «البلاغ الأعظم و الناموس الأكبر» و جعله ست عشرة درجة أول درجة أن يدعو من يجتمع به أولا إن كان من أهل السنة إلى القول بتفضيل على على عثمان بن عفان، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيل على على الشيخين أبى بكر و عمر، ثم يترقى به إلى سبهما لأنهما ظلما عليا و أهل البيت، ثم يترقى به إلى تجهيل الأمة و تخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك، ثم يشرع في القدح في دين الإسلام من حيث هو. و قد ذكر لمخاطبته لمن يريد أن يخاطبه بذلك شبها و ضلالات لا تروج إلا على كل غبي جاهل شقي. كما قال تعالى (وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) أي يضل به من هو ضال. و قال (فَإِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ) و قال (وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ. وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ) إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن أن الباطل و الجهل و الضلال و المعاصي لا ينقاد لها إلا شرار الناس كما قال بعض الشعراء:
إن هو مستحوذ على أحد* * * إلا على أضعف المجانين
ثم بعد هذا كله لهم مقامات في الكفر و الزندقة و السخافة مما ينبغي لضعيف العقل و الدين أن ينزه