البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعمائة
بقيتهم فجعلوهم رعاة لدوابهم في أسوأ حال، و أخذوا جميع ما كان معهم، فحين حضروا عند دار الوزير سجنهم و منعهم الماء، ثم صلبهم يرون صفاء الماء و لا يقدرون على شيء منه، حتى ماتوا عطشا جزاء وفاقا، و قد أحسن في هذا الصنع اقتداء بحديث أنس في الصحيحين. ثم بعث إلى أولئك الذين اعتقلوا في بلاد بنى خفاجة من الحجاج فجيء بهم، و قد تزوجت نساؤهم و قسمت أموالهم، فردوا إلى أهاليهم و أموالهم. قال ابن الجوزي: و في رمضان منها انقضّ كوكب من المشرق إلى المغرب عليه ضوء على ضوء القمر، و تقطع قطعا و بقي ساعة طويلة. قال: و في شوال توفيت زوجة بعض رؤساء النصارى، فخرجت النوائح و الصلبان معها جهارا، فأنكر ذلك بعض الهاشميين فضربه بعض غلمان ذلك الرئيس النصراني بدبوس في رأسه فشجه، فثار المسلمون بهم فانهزموا حتى لجئوا إلى كنيسة لهم هناك، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها، و ما قرب منها من دور النصارى، و تتبعوا النصارى في البلد، و قصدوا الناصح و ابن أبى إسرائيل فقاتلهم غلمانهم، و انتشرت الفتنة ببغداد، و رفع المسلمون المصاحف في الأسواق، و عطلت الجمع في بعض الأيام، و استعانوا بالخليفة، فأمر بإحضار ابن أبى إسرائيل فامتنع، فعزم الخليفة على الخروج من بغداد، و قويت الفتنة جدا و نهبت دور كثير من النصارى، ثم احضر ابن أبى إسرائيل فبذل أموالا جزيلة، فعفى عنه و سكنت الفتنة. و في ذي القعدة ورد كتاب يمين الدولة محمود إلى الخليفة يذكر أنه ورد إليه رسول من الحاكم صاحب مصر و معه كتاب يدعوه إلى طاعته فبصق فيه و أمر بتحريقه، و أسمع رسوله غليظ ما يقال.
و فيها قلد أبو نصر بن مروان الكردي آمد و ميافارقين و ديار بكر، و خلع عليه طوق و سواران، و لقب بناصر الدولة، و لم يتمكن ركب العراق و خراسان من الذهاب إلى الحج لفساد الطريق، و غيبة فخر الملك في إصلاح الأراضي.
و فيها عادت مملكة الأمويين ببلاد الأندلس فتولى فيها سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي، و لقب بالمستعين باللَّه، و بايعه الناس بقرطبة. و فيها مات بهاء الدولة بن بويه الديلميّ صاحب بغداد و غيرها، و قام بالأمر من بعده ولده سلطان الدولة أبو شجاع. و فيها مات ملك الترك الأعظم و اسمه إيلك الخان، و تولى مكانه أخوه طغان خان. و فيها هلك شمس المعالي قابوس بن وشمكير، أدخل بيتا باردا في الشتاء و ليس عليه ثياب حتى مات كذلك، و ولى الأمر من بعده منوجهر، و لقب فلك المعالي، و خطب لمحمود بن سبكتكين، و قد كان شمس المعالي قابوس عالما فاضلا أديبا شاعرا، فمن شعره قوله:
قل للذي بصروف الدهر عيّرنا* * * هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر يطفو فوقه جيف* * * و يستقر بأقصى قعره الدرر