البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - ابن الحجاج الشاعر
القادر باللَّه جعله ولى العهد من بعده، فخطبوا له هنالك، فلما بلغ القادر أمره بعث يتطلبه فهرب في البلاد و تمزق، ثم أخذه بعض الملوك فسجنه في قلعة إلى أن مات، فلهذا بادر القادر إلى هذه البيعة.
و في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة ولد الأمير أبو جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه، و هذا هو الّذي صارت إليه الخلافة، و هو القائم بأمر اللَّه. و فيها قتل الأمير حسام الدولة المقلد بن المسيب العقيلي غيلة ببلاد الأنبار، و كان قد عظم شأنه بتلك البلاد و رام المملكة فجاءه القدر المحتوم فقتله بعض غلمانه الأتراك، و قام بالأمر من بعده ولده قرواش. و حج بالناس المصريون.
و فيها توفى من الأعيان
جعفر بن الفضل بن جعفر
ابن محمد بن الفرات أبو الفضل، المعروف بابن حنزابة الوزير، ولد سنة ثمان و ثلاثمائة ببغداد، و نزل الديار المصرية و وزر بها للأمير كافور الإخشيدي، و كان أبوه وزيرا للمقتدر، و قد سمع الحديث من محمد بن هارون الحضرميّ و طبقته من البغداديين، و كان قد سمع مجلسا من البغوي، و لم يكن عنده، و كان يقول: من جاءني به أغنيته، و كان له مجلس للاملاء بمصر، و بسببه رحل الدار قطنى إلى مصر فنزل عنده و خرّج له مسندا، و حصل له منه مال جزيل، و حدث عنه الدار قطنى و غيره من الأكابر. و من مستجاد شعره قوله:
من أخمل النفس أحياها و روّحها* * * و لم يبت طاويا منها على ضجر
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها* * * فليس ترمى سوى العالي من الشجر
قال ابن خلكان: كانت وفاته في صفر، و قيل في ربيع الأول منها، عن ثنتين و ثمانين سنة و دفن بالقرافة، و قيل بداره، و قيل إنه كان قد اشترى بالمدينة النبويّة دارا فجعل له فيها تربة، فلما نقل إليها تلقته الأشراف لإحسانه إليهم فحملوه و حجوا به و وقفوا به بعرفات، ثم أعادوه إلى المدينة فدفنوه بتربته
ابن الحجاج الشاعر
الحسين بن أحمد بن الحجاج أبو عبد اللَّه الشاعر الماجن المقذع في نظمه، يستنكف اللسان عن التلفظ بها و الأذنان عن الاستماع لها، و قد كان أبوه من كبار العمال، و ولى هو حسبة بغداد في أيام عز الدولة، فاستخلف عليها نوابا ستة، و تشاغل هو بالشعر السخيف و الرأى الضعيف، إلا أن شعره جيد من حيث اللفظ، و فيه قوة تدل على تمكين و اقتدار على سبك المعاني القبيحة التي هي في غاية الفضيحة، في الألفاظ الفصيحة و له غير ذلك من الاشعار المستجادة، و قد امتدح مرة صاحب مصر فبعث إليه بألف دينار. و قول ابن خلكان بأنه عزل عن حسبة بغداد بأبي سعيد الإصطخري قول ضعيف لا يسامح بمثله، فان أبا سعيد توفى في سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة، فكيف يعزل به ابن الحجاج و هو لا يمكن ادعاء أن يلي الحسبة بعده أبو سعيد الإصطخري، و ابن خلكان قد أرخ وفاة