البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٥ - أبو إسحاق المزكي
و كان نقش خاتمه: على المتوكل على ربه. و كان له من الولد محمد و جعفر و عبد الصمد و موسى و عبد اللَّه و هارون و الفضل و عيسى و العباس و عبد الملك. و في أيامه فتحت انطاكية و كان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير و جم غفير، و لما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبى الفضل جعفر بن المعتضد و قد صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها و أحضر القضاة و أشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، و لقبه بالمقتدر باللَّه. و توفى بعد ثلاثة أيام و قيل في آخر يوم السبت بعد المغرب، و قيل بين الظهر و العصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، و دفن في دار محمد بن عبد اللَّه بن طاهر، عن ثنتين و قيل ثلاث و ثلاثين سنة، و كانت خلافته ست سنين و ستة أشهر و تسعة عشر يوما. و أوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، و كان قد جمعها و هو صغير، و كان مرضه بداء الخنازير (رحمه اللَّه).
خلافة المقتدر باللَّه أمير المؤمنين أبى الفضل جعفر بن المعتضد
جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة- أعنى سنة خمس و تسعين و مائتين- و عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة و شهر واحد و إحدى و عشرون يوما، و لم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه، و لما جلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم و رفع صوته بالدعاء و الاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامة، و كتب اسمه على الرقوم و غيرها: المقتدر باللَّه، و كان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، و في بيت مال العامة ستمائة ألف دينار و نيف، و كانت الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بنى أمية و أيام بني العباس، قد تناهى جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه و أصحابه حتى أنفدها، و هذا حال الصبيان و سفهاء الولاة، و قد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن على بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله ثم قتله، و قد استقصى ذكرهم ابن الجوزي. و كان له من الخدم و الحشمة التامة و الحجاب شيء كثير جدا، و كان كريما و فيه عبادة مع هذا كله كان كثير الصلاة كثير الصيام تطوعا، و في يوم عرفة في أول ولايته فرق من الأغنام و الأبقار ثلاثين ألف رأس، و من الإبل ألفى بعير، ورد الرسوم و الأرزاق و الكلف إلى ما كانت عليه في زمن الأوائل من بنى العباس، و أطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، فوكل أمر ذلك إلى القاضي أبى عمر محمد بن يوسف، و كان قد بنيت له أبنية في الرحبة صرف عليها في كل شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات، و سيأتي ذكر شيء من أيامه في ترجمته.
و فيها توفى من الأعيان
أبو إسحاق المزكي
إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد اللَّه أبو إسحاق المزكي الحافظ الزاهد، إمام أهل